الجسد الذي أطعمته في الدنيا
بقلم د : عبدالله حسن الحجازى
كم من إنسان عاش للدنيا بجسده، فأعطاه كل ما طلب، وأطلق له كل شهوة، ولم يسأل: هل هذا حلال أم حرام؟
أطعم بطنه ما يشتهي، وأطلق عينيه فيما لا يحل، وأذنيه فيما يسخط الله، ولسانه فيما يؤذي الناس، وقدميه إلى أماكن لا ترضي الله، وظن أن الجسد ملكه يفعل به ما يشاء.
كان يقول في نفسه: أنا حر في جسدي.
ولكنه نسي أن الجسد أمانة، وأن العمر أمانة، وأن كل نعمة سيُسأل عنها.
في الدنيا كنت تقوده... وفي الآخرة يقودك إلى الحقيقة
أعطيت جسدك ما يحب، حتى ربما حرمته ما ينفعه.
أطعمت شهوته، وأهملت روحه.
زينت مظهره، وتركت قلبه يذبل.
بحثت له عن اللذة العاجلة، ولم تفكر في العاقبة.
لكن المشكلة أن الجسد لا ينسى.
كل نظرة سجلها، وكل كلمة نطق بها، وكل خطوة مشاها، وكل يد امتدت إلى ما لا يحل، كل ذلك محفوظ.
قال الله تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[يس: 65].
يا لها من لحظة
الفم الذي كان يدافع عنك قد يُغلق.
واللسان الذي كان يبرر لك أفعالك قد يصمت.
ثم تبدأ الشهادة من أعضاء كنت تظن أنها ملكك.
يدك تتكلم... ورجلك تشهد... وجلدك ينطق.
قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[فصلت: 21].
الجسد الذي خدم شهواتك قد يصبح شاهدًا عليك
تأمل هذه المفارقة العجيبة:
في الدنيا كنت تحمي جسدك من التعب، وتبحث له عن الراحة، وتشتري له أجمل الثياب، وأشهى الطعام، وألذ المتع.
لكن هل سألت نفسك يومًا:
ماذا أعطيت روحك؟
هل أعطيتها صلاة؟
هل أعطيتها قرآنًا؟
هل أعطيتها ذكرًا؟
هل أعطيتها صدقة؟
هل أعطيتها توبة؟
لقد اعتنيت بالجسد الذي سيبلى، ونسيت الروح التي تحتاج إلى النجاة.
وليس معنى ذلك أن الإسلام يطلب منك أن تحرم نفسك من الطيبات؛ فالله تعالى يقول:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
لكن الفرق أن تملك الشهوة ولا تملكك الشهوة، وأن تستمتع بالحلال دون أن تتحول حياتك إلى عبودية للذة.
سيخونك؟
قد يبدو التعبير قاسيًا، لكن الحقيقة أعمق من كلمة الخيانة.
الجسد لن يخونك بالمعنى الإنساني، وإنما سيشهد بالحق الذي لا يستطيع إنكاره.
فإن أحسنت استخدامه، صار شاهدًا لك.
وإن جعلته طريقًا إلى المعصية، صار شاهدًا عليك.
وهنا يتغير السؤال:
ليس: ماذا أريد من جسدي؟
بل:
ماذا أريد أن يقول جسدي عني يوم أقف بين يدي الله؟
هل أريد أن تقول يدي: كنت تعطي؟
هل أريد أن تقول عيني: كنت تغض بصري؟
هل أريد أن تقول قدمي: كنت تمشي إلى الخير؟
هل أريد أن يقول لساني: كنت تذكر الله وتقول الحق؟
أم تكون الشهادة مختلفة؟
أعطِ جسدك حقه... ولكن لا تجعله سيدك
جسدك ليس عدوك.
هو مركبك في هذه الحياة.
فإن أحسنت قيادته أوصلك إلى النجاة، وإن سلمت القيادة لشهواته قادك حيث لا تريد.
لذلك لا تحرم جسدك من الطعام، ولكن لا تطعمه الحرام.
ولا تحرم نفسك من الجمال، ولكن لا تجعل عينيك طريقًا إلى المعصية.
ولا تحرم نفسك من الراحة، ولكن لا تجعل الراحة سببًا لترك الطاعة.
ولا تحرم نفسك من متاع الدنيا، ولكن لا تجعل الدنيا أكبر همك.
فأنت لن تبقى بهذا الجسد إلى الأبد.
سيأتي يوم يفارقك فيه كل شيء كنت تملكه، ويبقى معك عملك.
وحينها ستعرف أن أعظم استثمار لم يكن في الجسد، وإنما في ما فعلته بهذا الجسد من أجل الله.
فلا تجعل جسدك الذي سيقف غدًا شاهدًا عليك، شاهدًا على أنك أضعته في الشهوات، بينما كنت تملك أن تجعله شاهدًا لك على الطاعة والخير.
لقد أعطاك الله الجسد، وأعطاك العقل، وأعطاك الاختيار، وأمهلك سنوات.
فماذا سيقول جسدك عنك عندما تنتهي المهلة؟
