الإنفصال أحياناً طريق النجاة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
يظن كثيرون أن كلمة الطلاق تعنى نهاية مأساوية للحياة. وأنها وصمة تلاحق أصحابها إلى الأبد. لكن الحياة أكثر تعقيداً من هذه النظرة الضيقة. فالإنفصال قد يكون فى بعض الحالات نهاية لعلاقة إستنزفت الإنسان. وقد يكون بداية لإسترداد الكرامة والهدوء والقدرة على أن يعيش المرء حياته بعيداً عن الأقنعة والأدوار التى لم يعد قادراً على إحتمالها. فليس كل زواج يمكن إصلاحه. وليس كل بيت يستحق أن تبقى أبوابه مغلقة على الألم لمجرد الخوف من كلمة (طلاق).
هناك رجال يعودون إلى بيوتهم بعد يوم طويل من العمل. وهم لا يبحثون عن أكثر من لحظة هدوء. وكلمة طيبة. وشعور بأن البيت مساحة أمان لا ساحة صراع. لكن بعض العلاقات تتحول مع الوقت إلى دوائر متكررة من الإتهام والخصام والبرود العاطفى. وقد تصل الأمور فى بعض الزيجات إلى إستخدام العلاقة الخاصة وسيلة للضغط أو العقاب أو فرض الإرادة. وهنا لا تعود المشكلة خلافاً عابراً بين زوجين. بل تصبح خللاً فى معنى الشراكة نفسها. فالزواج الذى يتحول إلى صراع مستمر على السيطرة يفقد شيئاً جوهرياً من روحه. ويصبح السؤال الحقيقى ليس كيف يستمر الزواج بأى ثمن. وإنما هل ما زال هذا الزواج قابلاً للإصلاح أصلاً.
وفى المقابل. هناك نساء يعشن سنوات طويلة فى بيوت لا يجدن فيها إحتواءً أو تقديراً. مع أزواج يظنون أن القسوة قوة. وأن إرتفاع الصوت دليل على الرجولة. وأن الأوامر تكفى لبناء أسرة مستقرة. بينما الحقيقة أن المرأة إنسان قبل أن تكون زوجة. وأن قلبها يحتاج إلى الإحترام مثلما يحتاج إلى الحب. وأن البيت الذى يخلو من الرحمة يمكن أن يتحول إلى مكان يستنزف الروح ببطء. ولذلك قد تختار بعض النساء الإنفصال لا رغبة فى الهروب من المسؤولية. وإنما رغبة فى إنقاذ ما تبقى من كرامتهن وقدرتهن على الحياة.
الزواج ليس سقفاً وجدراناً. وليس مجرد أوراق رسمية. وليس أبناءً يحملون إسم الأب والأم. الزواج شراكة بين عقلين. وتآلف بين روحين. ومساحة من المودة والرحمة والإحترام المتبادل. فإذا غاب الحوار. وأصبح كل نقاش معركة. وكل إختلاف إهانة. وكل كلمة مقدمة لشجار جديد. بدأت الشراكة فى الإنهيار حتى لو ظل البيت قائماً من الخارج. وقد يكون إستمرار الشكل الإجتماعى للزواج فى هذه الحالة أقل قيمة من الإعتراف بالحقيقة. فبعض البيوت تسكنها أسرة كاملة. لكنها تفتقد الحياة.
والإنسان الذى يخشى الله لا يجعل فشل زواجه مبرراً للإنحراف. ولا يبحث عن علاقات محرمة لمجرد أنه لم يجد السكينة فى بيته. هناك طريق أكثر نظافة ووضوحاً. وهو أن يحاول الإصلاح ما إستطاع. فإذا إستحالت الحياة. وتعذر إستمرار المودة. وأصبح البقاء مصدراً دائماً للأذى. فقد يكون الإنفصال المنظم والمحترم أكرم للطرفين من حياة تقوم على الخداع أو الخيانة أو الإنتقام. فالإنفصال ليس رخصة للهروب من المسؤولية. وإنما قد يكون فى بعض الحالات قراراً صعباً لإنهاء علاقة لم تعد قادرة على أداء رسالتها.
وكذلك المرأة التى تتمسك بزواج مؤلم لمجرد الخوف من كلام الناس قد تدفع ثمناً لا يراه أحد. المجتمع قد يتحدث أياماً. ثم ينشغل بحياته. أما الإنسان الذى يعيش الألم فيحمله كل يوم. لذلك لا ينبغى أن تصبح نظرة الآخرين حكماً نهائياً على مصير الإنسان. ولقب (مطلقة) أو (مطلق) لا يختصر شخصية صاحبه. ولا يحدد قيمته. فالكرامة ليست فى الإحتفاظ بصورة إجتماعية جميلة أمام الناس. وإنما فى القدرة على مواجهة الحقيقة وإتخاذ القرار الذى يحفظ للإنسان إنسانيته. مع تحمل المسؤولية الكاملة عن نتائجه.
أما الأبناء. فهم ليسوا حجة دائمة لإستمرار علاقة مؤذية. فالطفل لا يحتاج فقط إلى وجود الأب والأم تحت سقف واحد. وإنما يحتاج إلى بيئة آمنة يشعر فيها بالإحترام والطمأنينة. البيت الذى يمتلئ بالصراخ والإهانات والخصومات اليومية قد يترك فى نفس الطفل آثاراً أعمق مما يتركه الإنفصال المنظم. وفى المقابل. يستطيع الأبوان المنفصلان أن يحميا أبناءهما من آثار الخلاف. إذا حافظا على الإحترام. ولم يحولا الأطفال إلى رسائل متبادلة. أو أدوات للإنتقام. أو شهود دائمين على صراع الكبار. فالإنفصال لا يعفى الأب أو الأم من مسؤولية التربية. بل قد يجعل هذه المسؤولية أكثر إحتياجاً إلى الوعى والنضج.
ومع ذلك. لا ينبغى أن يتحول الحديث عن الإنفصال إلى دعوة سهلة للطلاق عند أول خلاف. فكل زواج يمر بأوقات صعبة. وكل بيت يعرف إختلافاً وغضباً وسوء فهم. والفرق كبير بين أزمة يمكن علاجها. وعلاقة إستنفدت كل فرص الإصلاح. لذلك يجب أن يسبق الإنفصال قدر ممكن من الحوار الهادئ. ومحاولات الإصلاح الصادقة. والإستعانة بأهل الحكمة والخبرة عند الحاجة. فإذا فشلت محاولات الإصلاح. وأصبح إستمرار الحياة الزوجية سبباً دائماً للأذى. يصبح الإنفصال أحد الخيارات المشروعة التى يمكن التفكير فيها بعقل ومسؤولية.
الإنفصال ليس إنتصاراً على الطرف الآخر. وليس فرصة للإنتقام. وليس إعلاناً عن فشل الإنسان فى الحياة. أحياناً يكون الإنفصال إعترافاً شجاعاً بأن طريقاً ما لم يعد صالحاً للإستمرار. وأن بعض الأبواب لا تُغلق كراهيةً لما وراءها. وإنما حفاظاً على ما تبقى داخل الإنسان من سلام.
الحياة لا تمنحنا دائماً النهايات التى نتمناها. لكنها تمنحنا أحياناً فرصة لبدء فصل جديد. وقد يكون الزواج الناجح أجمل صور الإستقرار. لكن الزواج الذى فقد المودة والإحترام وأصبح مصدراً دائماً للأذى لا ينبغى أن يتحول إلى سجن أبدى بإسم الخوف من المجتمع. فالبقاء ليس فضيلة فى ذاته. والإنفصال ليس عاراً فى ذاته. القيمة الحقيقية تكمن فى القرار الذى يحفظ الكرامة. ويقلل الضرر. ويمنح الإنسان فرصة لأن يعيش حياة أكثر صدقاً وإتزاناً.
فليست كل نهاية هزيمة. وبعض النهايات قد تكون بداية للنجاة. والإنسان الناضج ليس هو الذى يتمسك بشيء لمجرد أنه بدأه. وإنما هو الذى يعرف متى يحاول الإصلاح. ومتى يصبر. ومتى يعترف بأن الإستمرار أصبح أكثر إيذاءً من الرحيل. فحين تنتهى المودة. ويغيب الإحترام. وتستنفد محاولات الإصلاح. قد يكون الإنفصال المؤلم أرحم من حياة طويلة يتعلم فيها الإنسان كل يوم كيف يعيش بلا حياة.
