حبك إستيقظ فى قلبٍ نائم
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك حبٌّ لا يرحل. وإن غاب صاحبه. ولا ينطفئ. وإن خمدت أخباره. ولا يموت. وإن أقسمنا أمام أنفسنا أننا تجاوزناه. يظل مختبئاً فى مكان لا تصل إليه يد النسيان. مثل بذرة نائمة تحت تراب السنوات. لا نراها. ولا نسمع صوتها. ثم يأتى موسم من الحنين. فتشق الأرض. وتخرج منها شجرة كاملة من الذكريات.
أنا لا أعرف كيف يستطيع القلب أن يحتفظ بكل هذا القدر من التفاصيل. كيف ينسى العقل وجوهاً كثيرة. وينسى القلب وجهاً واحداً. كيف تتبدل ملامحنا تحت وطأة الحياة. ثم تأتى ذكرى واحدة فتُعيد إلىّ ملامح قديمة لم أعد أعرف أننى ما زلت أملكها. كأن الذاكرة لا تحفظ الأشخاص فقط. وإنما تحفظنى كما كنت وأنا أحب. تحفظ الرجل الذى كنتُه أمام الحب. تحفظ إرتباك قلبى أمام نظرة. وإرتعاش روحى أمام كلمة. وذلك الضوء الخفى الذى كان يجعل العالم أكثر إتساعاً كلما إقتربت ممن أحب.
وأحياناً لا يحتاج الحب إلى موعد كى يعود. تكفيه مصادفة صغيرة. طريق قديم. رائحة عطر. نغمة موسيقية. نافذة مضاءة فى عتمة المساء. وفجأة يتغير كل شىء. لا يعود الليل ليلاً. ولا الغرفة غرفة. يصبح المكان مشبعاً بشخص غائب. وكأن الذاكرة كانت تنتظر إشارة واحدة لتعيد إلى قلبى ما ظننت أننى تركته خلفى.
ذلك هو الحنين. ليس مجرد إشتياق إلى إنسان. وإنما عودة الروح إلى مكان تركت فيه جزءاً منها. هو أن أشعر بأن قلبى ما زال يعرف الطريق إلى مكانٍ غاب عنى. وأن هناك باباً فى داخلى لا يفتحه أحد. ومع ذلك تظل خلفه حكاية كاملة تتنفس فى صمت.
ولعل أكثر ما يؤلم فى الحب القديم أن نهايته لا تأتى دائماً واضحة. لا توجد ساعة معلقة على جدار القلب تقول: هنا إنتهت الحكاية. إنما أكتشف فجأة أننى أصبحت أعيش بعيداً عن إمرأة كانت يوماً قريبة من تفاصيل حياتى. ثم أسأل نفسى: كيف صارت من كانت تملأ القلب حضوراً. تسكن الآن فى زاوية من الذاكرة؟ وكيف إستطاع الغياب أن يأخذ الجسد. بينما عجز عن أخذ الأثر؟
تعلمت أن الإنسان يستطيع أن يملأ حياته بالعمل والناس والكلام. يستطيع أن يضحك. وأن يبدو مطمئناً. وربما يقنع نفسه بأنه نسى. لكنه لا يستطيع دائماً أن يقنع قلبه. فالعقل يعرف كيف يضع النهايات. أمّا القلب فيحتفظ بما أحب. ويترك للذكرى مكاناً لا تصل إليه يد القرار.
وأنا أظن أن أصعب الفراق ليس دائماً ذلك الذى يحدث بين شخصين. أحياناً يكون الفراق الحقيقى داخل الإنسان نفسه. نصف يعرف أن الرحيل أصبح حقيقة. ونصف آخر لا يريد أن يمحو ما كان جميلاً لمجرد أنه إنتهى.
كم من مرة قلت لنفسى إننى نسيت. ثم إكتشفت أننى لم أنسَ. وإنما تعلمت كيف أعيش دون أن أترك الذكرى تتحول إلى جرح. فهناك فرق كبير بين أن أحمل أثراً فى قلبى. وأن أحمل جرحاً يمنعنى من الحياة.
لهذا قد يكون الحنين أحياناً إلى نفسى أكثر مما هو إلى الحبيبة. أحن إلى الرجل الذى كنت عليه فى وجودها. إلى قلبى الذى كان يصدق بسهولة. وإلى روحى التى كانت ترى فى نظرة واحدة قصيدة. وفى إبتسامة عابرة وطناً من الطمأنينة. كنت أرى العالم من نافذة قلبى. وكان يكفينى أن أحب حتى أشعر أن للأشياء معنى آخر.
ثم تغيّر الطريق.
وعرفت أن بعض الطرق لا تصل. وأن بعض الوعود تولد جميلة ثم تموت بصمت. وأن الإنسان قد يحب بصدق شديد. ومع ذلك لا يستطيع أن يحتفظ بمن أحب. وعرفت أيضاً أن الفراق لا يعنى بالضرورة أن الحب كان ناقصاً. فقد تكون المشاعر صادقة. لكن الحياة تكتب لها فصولاً لا تشبه ما تمنته القلوب.
وهنا تعلمت معنى آخر للحب. أن أحب الذكرى دون أن أسجن نفسى فيها. أن أحفظ الجميل دون أن أطالب الماضى بالعودة. أن أعترف بأن قلبى ما زال يتذكر. ثم أتركه يكمل الطريق. فليس كل ما أحبه يجب أن أمتلكه. وليس كل من فقدتها يجب أن أكرهها.
أنا لا أريد من الحب القديم أن يعود. يكفينى أحياناً أن أعرف أنه كان حقيقياً. وأننى لم أكن واهماً حين شعرت. وأن تلك الأيام كانت فصلاً حقيقياً من روحى. وربما كان من أجمل الفصول. ولهذا لا أريد أن أمزقه لمجرد أنه إنتهى.
فبعض النهايات لا تُبطل جمال البداية.
قد يستيقظ الحب فجأة. كما يستيقظ مسافر فى قطار ليلى على مشهد يعرفه. ينظر من النافذة. فيرى مكاناً قديماً. فيشعر أن شيئاً فى داخله قد عاد إلى الحياة. ثم يواصل القطار سيره. ويبقى المشهد خلف النافذة. لكن أثره يظل أمام العين.
وهكذا تفعل بعض الذكريات بنا. توقظنا. ثم تتركنا لحظات أمام ماضٍ لا نستطيع الدخول إليه. كأننى أقف أمام بيت قديم أعرف غرفه. أعرف أين كانت الضحكة. وأين جلست الحبيبة. وأين بدأت الحكاية. لكننى أعرف أيضاً أن مفتاحه لم يعد فى يدى.
وفى آخر الليل. حين تهدأ الأصوات وتنطفئ معظم النوافذ. قد تأتى الذكرى وتجلس إلى جوارى بلا إستئذان. لا تطلب شيئاً. ولا تتحدث. فقط تذكرنى بأن هناك فصلاً من حياتى لم يُمحَ. وإنما وجد لنفسه مكاناً هادئاً فى أعماقى.
وعندها لا أبكى. ولا أبحث عن هاتف. ولا أتمنى عودة أحد. ربما أقول فى داخلى: كان جميلاً أن أحبكِ. وكان مؤلماً أن أفقدكِ. لكننى فهمت أخيراً أن بعض الأشخاص يرحلون من حياتنا. ولا يرحلون تماماً من أرواحنا. يتركون شيئاً منهم. مثل عطر لا يُرى. لكنه يملأ المكان.
وهكذا أصبح الحنين بالنسبة إلىّ شيئاً آخر. لم يعد دعوة إلى الماضى. وإنما تذكرة بأننى أحببت يوماً بكل ما فى قلبى. وأننى خرجت من التجربة أكثر معرفة بنفسى. أخذت من الحب قلباً أكثر قدرة على الشعور. ومن الفراق روحاً أكثر عمقاً. ومن الذكرى لغة لا يفهمها إلا من ذاقها.
لذلك لا أخجل من الحنين. ولا أريد أن أمحو ما كان. لكننى لا أريد أيضاً أن أعيش أسيراً له. أريد أن أضع الحكاية فى مكانها الصحيح. أن أقول للذكرى: إبقى جميلة. ولكن لا تعطل طريقى. وأن أقول للحنين: مرحباً بك. ولكن لا تأخذنى معك.
فالحب الذى عشته لم يكن خسارة. والفراق الذى أوجعنى لم يكن نهاية الإنسان الذى فى داخلى. لقد علّمنى الحب أن القلب يستطيع أن يفتح أبوابه كاملة. وعلّمنى الفراق أن القلب يستطيع. رغم ما ينكسر فيه. أن يقف من جديد.
وربما هذه هى أجمل صورة يمكن أن يتركها الحب فى روح رجل. أن يحب إمرأة حتى يصبح حضورها قصيدة. ثم يفقدها دون أن يحوّل القصيدة إلى مرثية. وأن يحمل إسمها فى ذاكرته دون أن يجعل منه قيداً فى عنقه. وأن يعرف أن بعض الأبواب أُغلقت. دون أن ينكر أن خلفها كانت ذات يوم أجمل حكاية.
وهكذا لا يكون إنتصارى أن أنساكِ.
ولا يكون إنتصاركِ أن أبقى أبحث عنكِ.
إنما يكون الإنتصار الحقيقى أننى أحببتكِ بصدق. وفقدتكِ بصدق. وإحتفظت بجمال ما كان بيننا. ثم إستطعت أن أمضى.
أمضى بقلب لا يطلب المستحيل. وبروح تعرف أن بعض الحكايات لا تُكتب لتستمر. وإنما تُكتب لتترك فى الإنسان شيئاً لا يزول.
وهذا هو الحب الذى لا يموت.
أن ترحل الحبيبة.
وتبقى الحكاية.
وتبقى أنت.
أكثر عمقاً. وأكثر إنسانية. وأكثر قدرة على أن تحب الحياة من جديد.
