📁 آخر الأخبار

حوار مع نجيب محفوظ..

 حوار مع نجيب محفوظ..


بقلم: نشوى علي



في المدينة التي لم يعد يعرفها


نص أدبي فانتازي متخيّل ولا يمثل اقتباسات أو حوارًا حقيقيًا مع نجيب محفوظ.


دخلت المقهى متأخرًا.


كان المكان مزدحما لكنني وجدت كرسيا وحيدا في آخر القاعة بجوار رجل يجلس أمام فنجان قهوة لم يلمسه.


لم أهتم به في البداية.


حتى قال:


— هل ما زال الناس يأتون إلى المقاهي لكي يتحدثوا؟


رفعت رأسي.


قلت:


— طبعًا.


نظر حوله إلى عشرات الوجوه المنحنية فوق شاشات الهواتف.


ثم قال:


— غريب.


— إيه الغريب؟


— أنكم جميعا تتحدثون... ولا أحد يتكلم.


ابتسمت.


— دي التكنولوجيا.


هز رأسه.


— لا... التكنولوجيا هي أن تجعل شيئًا بعيدًا قريبًا.


ثم أشار إلى الهواتف:


— أنتم جعلتم البعيد قريبًا... والقريب بعيدًا.


توقفت عن العبث بهاتفي.


نظرت إليه جيدًا.


كان يرتدي بدلة بسيطة ونظارته تستقر فوق عينيه بهدوء.


قلت:


— حضرتك شبه...


قاطعني:


— أعرف.


— نجيب محفوظ؟


ابتسم.


— كنت أتمنى أن تسألني سؤالًا أكثر أدبًا.


— مثل إيه؟


— مثل: كيف حالك؟


ضحكت.


— وكيف حالك يا أستاذ نجيب؟


أخذ رشفة صغيرة من القهوة.


— الآن؟ بخير.


ثم أضاف:


— لكنني قلق.


— من إيه؟


أشار إلى الشارع.


— من القاهرة.


نظرت إلى الخارج.


— القاهرة اتغيرت؟


قال:


— القاهرة دائمًا تتغير... المشكلة أنني لا أعرف من الذي تغير أكثر... هي أم أهلها.


سكت.


ثم قلت:


— ولو رجعت تكتب عنها دلوقتي؟


قال:


— سأحتاج إلى رواية جديدة.


— اسمها إيه؟


فكر قليلًا.


— «الحارة التي تسكن في الهاتف».


ضحكت.


لكنه لم يضحك.


قال:


— هل تعرف ما المضحك؟


— إيه؟


— أن الإنسان في زماني كان يخاف أن يعرف الناس أسراره.


ثم نظر إلى هاتفي.


— وأنتم الآن تدفعون المال لكي يعرفها الغرباء.


انفجرت بالضحك.


قلت:


— تقصد السوشيال ميديا؟


قال:


— أقصد الإنسان.


ثم سألني فجأة:


— هل ما زلتم تحلمون؟


قلت:


— طبعًا.


— وماذا تحلمون؟


بدأت أجيب، لكنه قاطعني:


— لا تقل لي «النجاح».


سكتّ.


قال:


— أريد الأحلام التي لا تصلح للنشر.


لأول مرة لم أعرف ماذا أقول.


ظل ينظر إلي ثم قال:


— في زمننا كان الإنسان يخفي أحلامه عن الناس.


وأردف:


— أما أنتم فتخفون حياتكم عن أنفسكم وتعرضونها للناس.


رن هاتفي.


نظرت إلى الشاشة.


إشعار جديد.


رفعت عيني إليه.


كان يبتسم.


قلت:


— مالك؟


قال:


— لا شيء.


ثم وقف.


— حتمشي؟


— نعم.


— رايح فين؟


نظر إلى القاهرة طويلًا.


وقال:


— أبحث عن حارة لم تدخلها الكاميرات بعد.


ثم مضى.


تركتُه يبتعد وسط الزحام.


وبعد خطوات قليلة التفت إلي وقال:


— وأرجوك...


— نعم؟


— إذا كتبت عني لا تجعليني حكيمًا طوال الوقت.


ضحكت.


فابتسم وقال:


— أنا أيضًا كنت أجلس في المقاهي لأقول كلامًا فارغًا أحيانًا.


ثم اختفى بين الناس.


فتحت هاتفي لأكتب ما حدث.


لكنني توقفت.


لأول مرة منذ وقت طويل قررت ألا أصور شيئًا.


نظرت إلى المقهى من حولي وإلى الوجوه الصامتة وإلى الهواتف المضيئة وإلى الكرسي الذي تركه خلفه.


وتساءلت:


هل كان فعلًا هنا؟


أم أن القاهرة التي لا تتوقف عن اختراع الحكايات قررت هذه الليلة أن تعيد إليَّ واحدًا من أشهر حكائيها؟


ابتسمت.


ثم أغلقت هاتفي.


ربما كان نجيب محفوظ محقًا... بعض اللحظات تفقد معناها حين نحاول إثبات أنها حدثت.

تعليقات