📁 آخر الأخبار

لغة الكون الخفية بين العلم والإيمان


 لغة الكون الخفية بين العلم والإيمان

بقلم: نور خالد أبو عمر 

في ملكوت الوجود المستور، وخلف حجب المألوف وحدود الإدراك البشري، تمتد روابط خفية لا تدركها الأبصار بقدر ما تستشعرها البصائر.

 هناك عالم نابض بالحياة يتجاوز ما تراه العيون لأول وهلة، عالم تتجاور فيه أسرار المادة وآفاق الروح في مشهد بديع من التناغم الكوني؛ حيث تبدو المخلوقات، على اختلاف صورها، كأنها أوتار في قيثارة كبرى تعزف لحن الوجود منذ فجر الخلق حتى آخر نبضة في الزمن.

وقد أودع الله في مخلوقاته من الأسرار ما يجعل الكون كله في حالة تسبيح دائم، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. 

وكأن الوجود بأسره نهرٌ من الذكر الجاري، غير أن ضجيج الحياة يحجب عن الأسماع كثيرًا من تراتيله الخفية، فلا نلتقط منها إلا ما تيسر لنا من إشارات وعِبر.

أتحدث عن عالم الحيوان والنبات، وعن تلك الصور المدهشة من التفاعل التي يكشف العلم عن جانب منها يومًا بعد يوم، بينما يبقى جانب آخر بابًا واسعًا للتأمل والتدبر. 

فالحيوان ليس مجرد جسد يتحرك بدافع الغريزة وحدها، بل كائن يمتلك قدرًا من الإدراك والتعلم والاستجابة لمحيطه، ويعيش ضمن منظومة دقيقة أودع الله فيها من الحكم ما يثير الدهشة والإعجاب.

 وحين تحدق في عيني طائر يواجه الريح بجناحين صغيرين، أو في نظرة غزال يترقب الخطر في صمت البراري، تشعر أن خلف ذلك السكون لغة لا تنطق بالحروف، لكنها تفيض بمعاني الحياة.

ولعل قصة سليمان عليه السلام مع النملة تمثل إحدى أبهى الصور التي تدفع الإنسان إلى التأمل في عوالم المخلوقات، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾.

 في هذا المشهد القرآني الرفيع يتراجع كبرياء الإنسان قليلًا، ليدرك أن الحياة أوسع من لغته، وأن الحكمة موزعة بين المخلوقات كما يوزع الفجر ضياءه على الجهات كلها.

أما النبات، ذلك الكائن الذي يبدو ساكنًا في ظاهره، فإنه يخفي خلف صمته عالماً نابضًا بالحركة والتفاعل.

 جذوره الممتدة في أعماق الأرض ليست مجرد وسائل لامتصاص الماء والغذاء، بل جزء من شبكة حياتية دقيقة تتبادل من خلالها النباتات الإشارات وتستجيب للمتغيرات المحيطة بها. 

وما كان يُظن يومًا أنه صمت مطلق، كشف العلم أنه عالم حافل بالاستجابة والتنظيم والتوازن.

وحين تتأمل شجرةً عتيقة تقف في وجه الفصول، أو زهرةً تشق طريقها بين الصخور، يتراءى لك أن الحياة تكتب رسائلها على صفحات الطبيعة بحبرٍ من الصبر والجمال.

 فالأرض ليست مسرحًا جامدا للأحداث، بل كتاب مفتوح تروي كل صفحة منه آية من آيات الخلق، وتكشف كل ورقة فيه سرًا من أسرار البقاء.

وقد قرر علماء المسلمين أن للموجودات من الإدراك والتسبيح ما يوافق طبيعتها التي خلقها الله عليها. 

ومن الشواهد العظيمة في السيرة النبوية حنين جذع النخلة إلى رسول الله ﷺ حين فارقه، وهو مشهد يسكب في الوجدان شجنًا عذبًا، ويذكر الإنسان بأن هذا الكون أقرب إلى الحياة مما يتصور، وأن في المخلوقات من الأسرار ما لا تحيط به المقاييس المادية وحدها.

كلما أمعن الإنسان النظر في هذا الوجود، شعر أنه لا يسير بين أشياء صامتة، بل بين مخلوقات تشترك معه في الانتساب إلى الخالق الواحد.

 فرفرفة العصفور عند الفجر، وحفيف الأوراق تحت النسيم، وخرير الماء في مجاريه، ليست مجرد ظواهر عابرة، بل مقاطع متناسقة في سيمفونية كونية لا ينقطع عزفها.

إن التواصل مع الخليقة لا يعني أن نسمع كلمات منطوقة أو نتحاور بلغة مألوفة، بل أن نتعلم فن الإنصات. 

أن نصغي إلى الدروس المخبأة في انتظام الكون، وإلى الحكمة الكامنة في دورة الحياة، وإلى المعاني التي يفيض بها التأمل الصادق. 

فكل موجود يشير بطريقته إلى خالقه، وكل ذرة تحمل أثرًا من آثار الحكمة الإلهية الممتدة في أرجاء الوجود.

وهكذا، كلما اتسعت معارف الإنسان واتسقت بصيرته، أدرك أن العلم الصادق لا يناقض الإيمان، بل يقوده إلى مزيد من التعجب أمام روعة الخلق وإحكام الصنع. 

فالعلم يكشف جانبًا من السنن، والإيمان يفتح القلب لمعانيها، وبينهما يولد ذلك الشعور العميق الذي يجعل الإنسان يرى نفسه نغمة في لحن الوجود العظيم، لا تعلو على غيرها ولا تنفصل عنها، بل تتناغم معها في تسبيح واحد يتردد صداه بين الأرض والسماء.

وفي نهاية الرحلة، يبقى الكون كله أشبه بمحراب واسع تتعانق فيه الأصوات الخفية، وتلتقي فيه مسارات الحياة على اختلافها؛ حيث تسبح المخلوقات بحمد ربها، وتؤدي أدوارها في نظام بديع لا يختل، وتظل أسرار الوجود تتفتح للقلوب بقدر ما تقترب من التأمل، وتزداد إشراقًا كلما ازداد الإنسان تواضعًا أمام عظمة الخالق وجلال صنعه.

نور خالد
نور خالد
أنا كاتبةٌ أُذيبُ روحي في الحروف، وأحوّل الكلمات إلى مجرّةٍ صغيرةٍ حالمةٍ تُشرقُ بالألحان.
تعليقات