الحديث عن الناس دون معرفة الحقيقة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
من أسهل الأشياء أن نتحدث عن إنسان لا يعرف كيف يدافع عن نفسه. ومن أسرع الأحكام أن نبنى قصة كاملة من موقف ناقص أو كلمة سمعناها من شخص آخر. الإنسان قد يسمع جزءاً من الحكاية فيعتقد أنه ادإمتلك الحقيقة كلها. ثم يبدأ فى نقل ما سمعه وكأنه حقيقة مؤكدة. ومع كل مرة تنتقل فيها القصة من شخص إلى آخر تتغير تفاصيلها. وقد تتحول كلمة عابرة إلى إتهام. ويتحول الظن إلى يقين. ثم يصبح الإنسان الذى لم يسمعنا ولم نعرف ظروفه متَّهماً فى أعين الجميع.
المشكلة ليست فى الكلام عن الآخرين فقط. فالكلام عن الناس جزء طبيعى من الحياة الإجتماعية. المشكلة تبدأ عندما نتحدث عن أشخاص فى أمور لا نعرف حقيقتها. فنحن غالباً نرى التصرف ولا نرى الدافع. نرى النتيجة ولا نعرف الظروف التى سبقتها. نسمع كلمة ولا نعرف ما قيل قبلها. وقد نحكم على إنسان من موقف واحد بينما تكون حياته مليئة بمواقف أخرى لا نعرف عنها شيئاً.
أحياناً يخطئ الإنسان لأنه يعتقد أن ما يراه يكفى للحكم. شخص لم يرد على إتصال فنقول إنه يتجاهلنا. شخص إعتذر عن مناسبة فنظن أنه لا يهتم. شخص تغيرت طريقته فى التعامل فنعتقد أنه تكبر أو تغيرت أخلاقه. وقد يكون وراء كل ذلك سبب لا نعرفه. ربما يمر بضغوط. ربما يواجه مشكلة. ربما لم يفهم الموقف كما فهمناه. وربما كان لديه عذر لم تتح لنا فرصة معرفته.
والأخطر أن الإنسان عندما يبدأ فى تفسير تصرفات الآخرين وفق توقعاته. فإنه يبحث بعد ذلك عن أى دليل يؤكد تفسيره. إذا إعتقد أن شخصاً لا يحبه. فسوف يفسر صمته بإعتباره كراهية. وإذا إعتقد أنه متكبر. فسيرى إبتعاده عن الناس دليلاً على ذلك. وإذا ظن أنه غير صادق. فسوف يشك فى كل كلمة يقولها. وهكذا لا يعود يبحث عن الحقيقة. بل يبحث عن أدلة تؤيد الحكم الذى أصدره مسبقاً.
وتزداد المشكلة عندما تدخل القصة فى دائرة النقل. شخص يقول سمعت أن فلاناً فعل كذا. فيسأل آخر عن التفاصيل. فيضيف من عنده تفسيراً أو إستنتاجاً. ثم ينقلها إلى شخص ثالث بصيغة مختلفة. وبعد عدة مراحل قد تختفى الحقيقة الأصلية تماماً. وتبقى رواية جديدة لا يعرف أحد من أين بدأت. ومع ذلك يتعامل معها البعض بإعتبارها حقيقة لا تحتاج إلى دليل.
وهناك فرق كبير بين أن تقول سمعت كلاماً عن هذا الأمر وبين أن تقول هذا الأمر حدث بالفعل. الكلمات تحمل مسؤولية. وما نقوله عن الآخرين قد يصل إليهم. وقد يؤثر فى علاقتهم بالناس. وقد يغير صورة شخص فى محيطه دون أن يحصل على فرصة للدفاع عن نفسه. لذلك فإن التسرع فى نقل الكلام ليس مجرد خطأ إجتماعى بسيط. وإنما سلوك قد يسبب ظلماً حقيقياً.
وقد يكون بعض الناس أكثر ميلاً إلى الحديث عن الآخرين لأنهم يجدون فى ذلك وسيلة للهروب من مواجهة أنفسهم. من الأسهل أن نناقش أخطاء غيرنا من أن نسأل أنفسنا عن أخطائنا. ومن الأسهل أن نفتش فى حياة الآخرين عن العيوب من أن ننظر إلى عيوبنا بصدق. ولهذا فإن الإنشغال الدائم بالناس قد يكون أحياناً محاولة غير واعية لتجنب مواجهة الذات.
كما أن وسائل التواصل الإجتماعى جعلت نقل الكلام أسرع من أى وقت مضى. صورة واحدة قد تفتح باباً لعشرات التفسيرات. مقطع قصير قد يجعل الناس يعتقدون أنهم فهموا موقفاً كاملاً. تعليق واحد قد يتحول إلى قصة. ثم تنتشر القصة فى دقائق بين أشخاص لا يعرفون أصحابها ولا ظروفهم. وهنا تصبح سرعة الإنتشار أكبر من قدرة الحقيقة على الوصول. وقد يصل الحكم إلى الناس قبل أن يصل التوضيح.
ومن المؤلم أن بعض الأشخاص يستمتعون بالأخبار التى تتعلق بغيرهم. ليس لأنهم يريدون الحقيقة دائماً. وإنما لأن أخبار الآخرين تمنحهم مادة للحديث. وكلما كان الموضوع أكثر إثارة. زاد الإهتمام به. وهنا تصبح حياة الناس مادة للتسلية. وقد ينسى المتحدث أن الشخص الذى يتحدث عنه إنسان له مشاعر وأهل وأصدقاء وكرامة. وأن الكلمة التى يقولها فى جلسة عابرة قد تترك أثراً لا يزول بسهولة.
والعاقل لا يطالب الناس بأن يصمتوا عن كل ما يرونه. لكنه يطالبهم بالعدل قبل الكلام. إذا لم نعرف الحقيقة كاملة. فالأفضل أن نقول لا أعرف. وإذا وصلتنا رواية من طرف واحد. فعلينا أن نتذكر أنها رواية وليست حكماً نهائياً. وإذا كان الأمر يخص شخصاً بعينه. فمن الإنصاف أن نسمع منه قبل أن نقرر موقفنا منه.
ومن أهم علامات النضج أن يستطيع الإنسان أن يقول أخطأت فى الحكم. ليس سهلاً أن يتراجع شخص عن رأى أعلنه أمام الآخرين. لكن الحقيقة أهم من الإنتصار للنفس. وقد نكتشف بعد فترة أن الإنسان الذى ظلمناه بكلمة كان يمر بظرف لم نعرفه. وأن الموقف الذى فسرناه بطريقة سلبية كان له تفسير آخر تماماً. التراجع عن الحكم الخاطئ ليس ضعفاً. بل شجاعة ونضج.
ولكى نحافظ على أنفسنا من الوقوع فى ظلم الآخرين. يجب أن نتعلم التفرقة بين الحقيقة والإنطباع. الحقيقة تحتاج إلى معرفة ودليل. أما الإنطباع فهو ما نشعر به تجاه موقف معين. ومن الخطأ أن نحول مشاعرنا إلى حقائق. قد لا أحب طريقة شخص فى الحديث. لكن هذا لا يعنى أنه سيئ. وقد أختلف مع قرار إتخذه. لكن هذا لا يعنى أن نواياه سيئة. وقد أشعر بأنه إبتعد عنى. لكن هذا لا يعنى بالضرورة أنه تعمد إبعادى.
ومن الحكمة أيضاً ألا نسأل عن التفاصيل التى لا تعنينا. فليست كل معلومة تصل إلينا يجب أن نعرفها. وليس كل سر نسمعه يجب أن نشاركه. بعض المعلومات أمانة. وبعض الصمت إحترام. وقد يكون الإنسان قادراً على الحديث لكنه يختار ألا يفعل. وهذه ليست سلبية. وإنما قوة أخلاقية. لأن القدرة على الكلام لا تعنى دائماً أن الكلام مطلوب.
كما يجب أن ننتبه إلى أن الناس قد يتغيرون. الإنسان الذى أخطأ فى الماضى قد يتعلم. والشخص الذى مر بمرحلة صعبة قد يستعيد توازنه. ومن الظلم أن نختصر الإنسان كله فى خطأ واحد. نحن أنفسنا نطلب من الآخرين أن يمنحونا فرصة للتغيير. فلماذا لا نمنحهم الفرصة نفسها.
والحقيقة لا تحتاج إلى كثرة الكلام حتى تصبح حقيقة. والكلام الكثير لا يجعل الظن يقيناً. قبل أن تتحدث عن شخص لا تعرف ظروفه. تذكر أنك لا ترى إلا جزءاً صغيراً من حياته. وقد تكون هناك تفاصيل لو عرفتها لتغير حكمك بالكامل. لذلك ليس كل ما نسمعه يستحق أن ننقله. وليس كل ما نراه يسمح لنا بأن نحكم. وأحياناً يكون أعظم إحترام للآخرين أن نمنحهم حقهم فى الغياب عن أحاديثنا. وأن نترك ما لا نعرفه فى مكانه الطبيعى. خارج دائرة الأحكام. حتى نعرف الحقيقة كاملة.
