كيف يصنع الإنسان سجنه بنفسه
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليس كل سجن له جدران وأبواب وقضبان. هناك سجون لا يراها أحد. يصنعها الإنسان داخل عقله ثم يعيش فيها سنوات طويلة وهو يظن أن العالم هو الذى أغلق عليه الأبواب. قد يكون السجن خوفاً من تجربة جديدة. وقد يكون تعلقاً بالماضى. وقد يكون إعتقاداً راسخاً بأن الإنسان لا يستطيع تغيير واقعه. ومع الوقت تتحول الفكرة إلى قيد. ويتحول القيد إلى عادة. ثم تصبح العادة حياة كاملة يصعب الخروج منها.
أحياناً يبدأ السجن من جملة صغيرة يقولها الإنسان لنفسه. أنا لا أستطيع. الوقت فات. الناس لن تقبلنى. لن أنجح. لا فائدة من المحاولة. هذه الجمل تبدو فى البداية مجرد أفكار عابرة. لكنها إذا تكررت تحولت إلى قناعات. والقناعة تحدد الطريقة التى يرى بها الإنسان نفسه والعالم من حوله. فإذا أقنع الإنسان نفسه بأنه عاجز. بدأ يبحث عن الأدلة التى تثبت عجزه. وإذا أقنع نفسه بأن الفرص لا تأتى. أصبح يرى كل فرصة بإعتبارها إستثناءً لا يستحق المخاطرة.
ومن أخطر السجون سجن الخوف. فالخوف فى حد ذاته ليس عدواً. إنه شعور طبيعى يساعد الإنسان على الحذر وتقدير المخاطر. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف من وسيلة للحماية إلى وسيلة لمنع الحياة. يخاف الإنسان من الفشل فيرفض المحاولة. يخاف من الرفض فيمتنع عن الإقتراب. يخاف من التغيير فيتمسك بوضع لم يعد يناسبه. ثم يمر الوقت ويكتشف أنه لم يخسر فرصة واحدة فقط. بل خسر سنوات كاملة كان يمكن أن يعيش فيها تجربة مختلفة.
وهناك سجن آخر أكثر هدوءاً. إنه سجن الماضى. بعض الناس يعيشون داخل أحداث إنتهت منذ سنوات. يحملون خيبة قديمة. أو كلمة جارحة. أو علاقة إنتهت. أو قراراً يندمون عليه. ولا يستطيعون تغيير ما حدث. لكنهم يسمحون لما حدث أن يتحكم فى ما سيحدث. فيصبح الماضى حاضراً دائماً. وكل تجربة جديدة تقاس بالتجربة القديمة. وكل شخص جديد يدفع ثمن خطأ شخص سابق. وهكذا يتحول الألم القديم إلى قانون يحكم المستقبل.
وقد يصنع الإنسان سجنه من خلال نظرة الآخرين إليه. يعيش وفق توقعات الناس. يختار ما يرضيهم. ويتجنب ما قد يثير إعتراضهم. يخاف من كلام الناس أكثر مما يخاف من ضياع حياته. وقد يصل به الأمر إلى أن يتخلى عن رغبة حقيقية داخله فقط حتى لا يسمع إنتقاداً أو سخرية. وبذلك يصبح أسيراً لصورة لم يصنعها لنفسه. بل صنعها الآخرون له.
ومن السجون القاسية أيضاً سجن المقارنة. ينظر الإنسان إلى حياة غيره فيرى نجاحهم ولا يرى ما مروا به. يرى النتيجة ولا يرى السنوات التى سبقتها. يقارن عمره بعمر شخص آخر. ورزقه برزق غيره. وظروفه بظروف مختلفة تماماً. ثم يخرج من المقارنة بشعور دائم بالنقص. المشكلة أن المقارنة لا تمنح الإنسان طريقاً واضحاً. وإنما تجعله منشغلاً بحياة الآخرين بدلاً من بناء حياته الخاصة.
وقد يكون الكمال نفسه سجناً. هناك من لا يبدأ شيئاً لأنه ينتظر الظروف المثالية. يريد القرار المثالى. والوقت المثالى. والنتيجة المضمونة. ولأن الحياة لا تقدم ضمانات كاملة. يظل واقفاً مكانه. يتخيل أنه يؤجل البداية حتى يصبح مستعداً. بينما الحقيقة أنه يؤجل حياته نفسها. فالنجاح لا يبدأ دائماً من الإستعداد الكامل. وإنما يبدأ من خطوة أولى قابلة للتصحيح.
ومن السجون التى يصنعها الإنسان لنفسه أيضاً التعلق بصورة قديمة عن ذاته. قد يعتقد أنه يجب أن يظل كما كان دائماً. الشخص القوى الذى لا يطلب المساعدة. أو الشخص الذى لا يخطئ. أو الشخص الذى يجب أن ينجح فى كل ما يفعله. هذه الصورة قد تبدو إيجابية. لكنها تتحول إلى عبء عندما تمنع الإنسان من الإعتراف بتغيره وإحتياجاته. النضج لا يعنى أن يظل الإنسان ثابتاً. بل أن يعرف متى يحتاج إلى تغيير نفسه وطريقة تفكيره.
وأحياناً يكون السجن هو الراحة نفسها. ليس المقصود الراحة التى يحتاج إليها الإنسان. وإنما الإعتياد على منطقة لا تتطلب منه مواجهة المجهول. يظل فى وظيفة لا يحبها. أو علاقة لا تمنحه ما يحتاج إليه. أو أسلوب حياة يعرف أنه لا يناسبه. لكنه يبرر البقاء بأنه على الأقل يعرف ما ينتظره. وهنا يصبح المألوف أكثر قوة من الرغبة فى الأفضل. فيختار الإنسان ألماً يعرفه على إحتمال مستقبل لا يعرفه.
كما أن كثرة التفكير قد تتحول إلى قيد. التفكير ضرورى قبل القرارات المهمة. لكن الإفراط فيه يجعل الإنسان يدور حول المشكلة دون أن يقترب من الحل. يعيد السيناريوهات. ويتوقع أسوأ الإحتمالات. ويسأل ماذا لو فشلت. ماذا لو رفضنى الآخرون. ماذا لو اتخذت القرار الخطأ. ومع كثرة الأسئلة يصبح عدم الفعل هو القرار الوحيد. فيشعر الإنسان أنه يفكر فى حياته. بينما هو فى الحقيقة يؤجلها.
والإنسان الذى يصنع سجنه بنفسه قد لا يحتاج إلى هدم الجدران كلها دفعة واحدة. أحياناً يكفى أن يبدأ بسؤال صادق. هل ما أفعله إختيار حقيقى أم خوف متخفٍ فى صورة منطق. هل هذا الطريق يناسبنى فعلاً أم أننى أسير فيه لأننى إعتدت عليه. هل أعيش وفق قناعاتى أم وفق ما ينتظره الآخرون منى. وهل المشكلة فى الظروف وحدها أم أن هناك أبواباً أغلقتها بنفسى ثم نسيت أننى من أغلقها.
الخروج من السجن يبدأ غالباً بتغيير الفكرة قبل تغيير الظروف. إذا ظل الإنسان مقتنعاً بأنه عاجز. فلن تساعده فرصة جديدة كثيراً. وإذا ظل يرى كل تغيير تهديداً. فسوف يعود إلى المكان نفسه. لذلك يحتاج الإنسان إلى إعادة النظر فى الأفكار التى تحكم حياته. ليس كل ما يقوله العقل حقيقة. وليس كل خوف تحذيراً. وليس كل تجربة فاشلة دليلاً على أن المحاولة التالية ستفشل.
ثم تأتى الخطوة العملية. لا يحتاج الإنسان إلى تغيير حياته كلها فى يوم واحد. يمكنه أن يبدأ بشىء صغير كان يؤجله. قرار بسيط. عادة جديدة. علاقة يضع لها حدوداً. مهارة يتعلمها. أو خطوة مهنية ظل يخاف منها. الخطوات الصغيرة لا تبدو دائماً مهمة فى بدايتها. لكنها تعيد للإنسان إحساسه بأنه قادر على الحركة. وهذا الإحساس قد يكون أول حجر يسقط من جدار السجن.
كذلك يجب أن يتعلم الإنسان أن الفشل ليس سجناً. الفشل تجربة لها نتيجة ويمكن التعلم منها. أما الخوف الدائم من الفشل فهو الذى يحول الحياة إلى سجن. فمن لا يسمح لنفسه بالمحاولة لن يعرف أبداً ماذا كان يمكن أن يحدث لو أنه حاول. ومن يرفض كل طريق لأنه لا يضمن النجاح سيبقى فى المكان نفسه. بينما الحياة بطبيعتها تقوم على التجربة والتعلم والتصحيح.
وأخطر السجون هى تلك التى لا يشعر الإنسان بوجودها. لأن السجين الذى يرى القضبان يعرف أنه محاصر. أما الإنسان الذى يحمل القضبان داخل عقله فقد يظن أن ما يعيشه هو قدر لا يمكن تغييره. قد تكون بعض الظروف أقوى من الإنسان فعلاً. وقد توجد قيود حقيقية لا يمكن إنكارها. لكن هناك دائماً مساحة ولو صغيرة يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها. أن يغير فكرة. أو يتخذ قراراً. أو يضع حداً. أو يبدأ من جديد. وربما لا يستطيع الإنسان أن يختار كل ما يحدث له. لكنه يستطيع فى كثير من الأحيان أن يختار كيف يتعامل معه. وحين يدرك الإنسان أنه لم يعد مضطراً إلى العيش داخل السجن الذى صنعه بنفسه. تبدأ أولى خطوات الحرية.
