📁 آخر الأخبار

 ظننتُ أنني نسيتُ قلبي


بقلم : نشوى على

لم أكن أذكر متى بدأتُ أنساه.

وربما كان هذا هو الشيء الوحيد الذي جعلني أصدق أنني نسيته فعلًا.

فالنسيان لا يأتي في يومٍ محدد، ولا يطرق الباب ليخبرك أنه وصل. إنه يتسلل إليك في هدوء، حتى تستيقظ ذات صباح فتكتشف أنك مررت بيومٍ كامل دون أن تفكر في الشخص الذي كان يحتل كل أيامك.

وهذا ما حدث معي.

أو هكذا ظننت.

مضت الأيام وانشغلت بأشياء كثيرة. بالعمل، بالبيت، بالناس، وبأحاديث كثيرة كنت أشارك فيها دون أن يكون لي فيها شيء.

حتى صرتُ أتعجب من نفسي أحيانًا.

كيف كنتُ أظن أنني لن أستطيع العيش من دونه؟

وكنت كلما تذكرته قلت لنفسي:

لقد انتهى الأمر.

ثم أعود إلى ما كنت أفعله، كأنني لم أقل شيئًا.

كنت قد تعلمت كيف أُخفي حزني جيدًا.

حتى جاء ذلك المساء.

كنت أرتب بعض الأشياء القديمة في غرفتي حين وقعت يدي على قميصٍ كان قد نسيه ذات يوم.

توقفت.

ظللت ممسكة به لحظات، لا أعرف لماذا لم أضعه جانبًا كما أفعل كل مرة.

كان القميص يحمل رائحته.

أو لعلني كنت أتوهم ذلك.

لكن قلبي لم يتوهم.

في لحظة واحدة، عادت إليّ أيامٌ كنت أظن أنها انتهت إلى الأبد.

تذكرت كيف كان يدخل من الباب وكيف كان يناديني وكيف كنت أعرف من خطواته أنه هو قبل أن أراه.

تذكرت أشياء صغيرة لا قيمة لها عند الآخرين، لكنها كانت تعني لي الدنيا كلها.

ابتسامته حين يراني.

صمته حين يغضب.

طريقته في النظر إليّ عندما يريد أن يقول شيئًا ولا يقوله.

وحتى تلك العادة الصغيرة التي كنت أعاتبه عليها ثم أشتاق إليها بعد أن رحل.

جلست على طرف السرير والقميص لا يزال في يدي.

ولأول مرة منذ زمن لم أحاول أن أمنع ذاكرتي من استعادته.

تركته يأتي.

تركته يعود إليّ كما كان.

بصوته، وملامحه، وضحكته، وبكل التفاصيل التي حاولت طويلًا أن أقنع نفسي بأنني نسيتها.

وسألتُ نفسي:

كيف يمكن للإنسان أن ينسى شخصًا، ثم يتذكره بكل هذا الوضوح؟

عندها فهمت.

أنا لم أنسه.

كنت فقط قد تعبت من تذكره.

وهناك فرق كبير.

فالنسيان أن يصبح الإنسان غريبًا عن ذاكرتك.

أما هو، فلم يصبح غريبًا قط.

لقد بقي في ذلك المكان الذي لا تصل إليه الأيام ولا تستطيع الذكريات أن تغلق بابه.

مكانٌ صغير في قلبي كنت أظن أنني أغلقته منذ زمن.

لكنني اكتشفت تلك الليلة أنني لم أغلقه...

كنت فقط أخشى أن أفتحه.

ومنذ ذلك المساء، لم أعد أقول إنني نسيته.

صرت أقول شيئًا آخر:

لقد تعلمت أن أعيش من دونه.

وربما كان ذلك هو أقصى ما استطاع قلبي أن يفعله.

أما أن ينساه...

فذلك شيء لم يتعلمه قلبي حتى الآن.
تعليقات