هل يمنح القلب فرصة أخرى؟
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
فى ركن هادئ من الحياة. يجلس رجل وحيداً أمام سنواته الماضية. لا يبحث فى ذاكرته عن تفاصيل بعينها. لكنه يجدها تخرج إليه من أماكن لم يكن يتوقع أن تصل إليها. يجد وجوهاً عبرت. وأياماً مرت. وكلمات ظلت عالقة فى الروح رغم أن أصحابها مضوا بعيداً. يجد نفسه أمام عمر أنفق منه الكثير فى محاولات لم تصل إلى بر الأمان.
لقد أنهكته التجارب. وأثقلته الخيبات. ولم يعد يخاف من الوحدة بقدر ما يخاف من أن يجد نفسه وحيداً وهو يعيش داخل علاقة يفترض أنها تمنحه الأنس. فقد عرف يوماً معنى أن يكون للإنسان بيت ولا يشعر أنه بيت. وأن يعيش بين جدران تحيط به من كل جانب. بينما تظل روحه واقفة فى الخارج تبحث عن مكان أكثر دفئاً.
هناك تجارب لا تنتهى بإنتهاء أصحابها. بل تترك خلفها ظلالاً تمتد إلى سنوات لاحقة. والتجربة الزوجية القاسية من هذا النوع قد تجعل الإنسان يعيد النظر فى أشياء كان يظنها من الثوابت. قد تجعله يتساءل عن معنى المشاركة. وعن معنى المودة. وعن ذلك الأمان الذى كان يعتقد أن البيت هو أول مكان يمنحه للإنسان.
فليس أصعب على المرء من أن يكتشف أن المكان الذى ذهب إليه بحثاً عن السكينة أصبح مصدراً للقلق. وأن الأيام التى كان ينتظر منها الدفء تحولت إلى حسابات. وأن الحوار صار مواجهة. وأن الصمت صار عقاباً. وأن التفاصيل الصغيرة التى تصنع الحياة بين إثنين تحولت إلى أبواب متتالية للخلاف.
وحين يخرج الإنسان من تجربة كهذه. فإنه لا يخرج منها كما دخلها. قد يخرج أكثر حذراً. وأكثر صمتاً. وأكثر قدرة على قراءة التفاصيل. لكنه قد يخرج أيضاً وهو يحمل سؤالاً مؤلماً. هل كان الخطأ فى التجربة نفسها. أم فى إختياره. أم فى الظروف التى أحاطت بها. أم أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف حقيقة الطريق إلا بعد أن يمشيه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فهو لا يكره الحب بالضرورة. ولا يكره المرأة. ولا يرفض فكرة الزواج من حيث المبدأ. لكنه أصبح يخشى الطريق المؤدى إليها. يخشى أن يمنح ثقته مرة أخرى. ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان يمنح قلبه لمن لا يعرف قيمته. يخشى أن يفتح أبواب حياته لشخص جديد. ثم يجد الماضى واقفاً خلف الباب ينتظر لحظة أخرى ليعيد نفسه.
إنه يعرف فى أعماقه أن الإنسان ليس جزيرة مغلقة. مهما حاول أن يبدو قوياً. ومهما أقنع نفسه بأن الوحدة إختيار مريح. تظل الروح محتاجة إلى روح أخرى تتقاسم معها ثقل الأيام. ويظل الإنسان محتاجاً إلى صوت يسأله كيف كان يومه. وإلى يد تمتد إليه فى لحظة التعب. وإلى حضور لا يحتاج معه إلى شرح كل ما يشعر به.
فالونس ليس رفاهية كما يتصور البعض. الأمان النفسى ليس تفصيلاً هامشياً فى حياة الإنسان. وهناك لحظات لا يستطيع فيها المال. ولا العمل. ولا النجاح. ولا كثرة المعارف أن تمنح القلب ما تمنحه كلمة صادقة من إنسان قريب.
لكن المشكلة أن الرجل الذى ذاق قسوة العلاقة قد يصبح شديد الحساسية تجاه أى علامة تشبه الماضى. كلمة عابرة قد توقظ ذاكرة قديمة. موقف صغير قد يستدعى خوفاً كبيراً. إختلاف طبيعى قد يبدو له بداية لصراع طويل. وهنا يصبح الماضى حاضراً دون أن يطلب أحد حضوره.
وهذا هو الظلم الذى قد يقع فيه الإنسان على نفسه دون أن يشعر.
فقد يلتقى إمرأة مختلفة تماماً. لكنه يراها بعين تجربة قديمة. وقد يجد أمامه إنسانة صادقة. لكنه يطالبها دون قصد بأن تثبت براءتها من أخطاء إمرأة أخرى. وقد ينسى أن الإنسان الجديد لا ذنب له فى الجرح القديم.
الحذر مطلوب. لكنه حين يتحول إلى جدار مرتفع. فإنه لا يمنع الألم وحده. بل يمنع الوصول إلى الأشياء الجميلة أيضاً.
والثقة لا تعنى أن يغلق الإنسان عينيه. كما أن الحب لا يعنى أن يتنازل عن عقله. والزواج لا يعنى أن يسلم المرء حياته كاملة لشخص آخر دون حدود واضحة. النضج الحقيقى ربما يكون فى أن يدخل الإنسان العلاقة الجديدة وهو أكثر وعياً بنفسه. وأكثر معرفة بما يقبل وما يرفض. وأكثر قدرة على الحوار. وأكثر وضوحاً فى إحتياجاته وحدوده.
فالفرصة الثانية لا ينبغى أن تكون نسخة ثانية من الحياة الأولى.
إنها يجب أن تكون حياة أكثر وعياً. وأكثر هدوءاً. وأكثر صدقاً.
ربما يكون أكبر خطأ يرتكبه الإنسان بعد تجربة مؤلمة هو أن يقرر أن كل البشر نسخة واحدة. فالحياة لا تعمل بهذه الطريقة. البشر مختلفون. والقلوب مختلفة. والقدرة على الحب مختلفة. وما فشل فى علاقة قد ينجح فى علاقة أخرى. ليس لأن الحب تغير. ولكن لأن الأشخاص والظروف والوعى تغيروا.
ومع ذلك. لا ينبغى للإنسان أن يندفع إلى الزواج لمجرد الهروب من الوحدة. فالخوف من الوحدة ليس سبباً كافياً لصناعة حياة مشتركة. كما أن التقدم فى العمر ليس مبرراً للتنازل عن العقل. فالزواج الذى يبدأ من الخوف قد يتحول إلى عبء جديد. والزواج الذى يبدأ من الإحتياج وحده قد يكتشف بعد فترة أن الإحتياج كان يبحث عن مسكن مؤقت لا عن شريك حقيقى.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس. هل أتزوج مرة أخرى أم أبقى وحيداً.
السؤال الأعمق هو. هل أصبحت مستعداً لأن أبدأ علاقة جديدة دون أن أجعلها تدفع ثمن العلاقة القديمة.
هل أستطيع أن أرى الإنسان الذى أمامى كما هو. لا كما كان الشخص الذى أوجعنى.
هل أستطيع أن أتكلم حين تضيق بى الأشياء. وأن أشرح ما يؤلمنى دون أن أحوله إلى صراع. وأن أضع حدوداً حين أحتاج. وأن أختلف دون أن أحول الإختلاف إلى معركة. وأن أترك للطرف الآخر مساحته الإنسانية. وأن أحتفظ لنفسى أيضاً بمساحتى.
فالحب الناضج لا يقوم على إمتلاك الآخر. ولا على مراقبته. ولا على إختباره كل يوم. الحب الناضج هو أن يشعر إثنان بأن وجود كل منهما يضيف إلى حياة الآخر دون أن يلغيها.
وربما يحتاج الإنسان بعد تجربة قاسية إلى أن يتصالح أولاً مع نفسه. لا مع الماضى فقط. لأن بعض الجراح لا تؤلم بسبب ما حدث وحده. وإنما بسبب الطريقة التى ظل الإنسان يحمل بها ما حدث بعد إنتهائه.
هناك فرق بين أن تتذكر الألم. وأن تعيش داخله.
وفرق بين أن تتعلم من التجربة. وأن تجعل التجربة تحكم بقية عمرك.
قد يكون من حق هذا الرجل أن يخاف. وقد يكون من حقه أن يتأنى. وقد يكون من حقه أن يرفض أى علاقة لا تمنحه شعوراً حقيقياً بالأمان. لكن ليس من العدل أن يحكم على المستقبل بما فعله الماضى.
فالحياة لا تطلب منه أن ينسى. بل تطلب منه أن يفهم.
ولا تطلب منه أن يثق بكل أحد. بل أن يعرف بمن يثق.
ولا تطلب منه أن يفتح قلبه بلا حساب. بل أن يفتحه بعقل الرجل الذى تعلم من سنواته.
وعند نقطة ما. سيكتشف أن الوحدة ليست دائماً حماية. كما أن الزواج ليس دائماً نجاة. كلاهما يمكن أن يكون جميلاً أو مؤلماً بحسب الإنسان الذى نعيش معه. وبحسب الطريقة التى نبنى بها العلاقة. وبحسب مقدار الوعى الذى ندخل به إليها.
لذلك ربما لا تكون الشجاعة الحقيقية فى أن يتزوج الرجل مرة أخرى. وربما لا تكون فى أن يختار الوحدة.
الشجاعة الحقيقية أن يختار حياته بوعى.
أن يقول للماضى. لقد حدث ما حدث. ولن أسمح لك بأن تكتب بقية قصتى.
أن يمنح قلبه فرصة للتنفس دون أن يجعله رهينة للخوف.
فقد يكون هناك فى مكان ما قلب آخر ينتظر فرصة مشابهة. قلب أتعبته الحياة أيضاً. وقلب لا يبحث عن قصة مثالية. بل عن إنسان صادق. عن رفيق يطمئن إليه. عن بيت لا تتحول أبوابه إلى حدود. ولا تتحول غرفه إلى ساحات صامتة للحساب.
وربما تكون أجمل البدايات تلك التى تأتى بعد أن يتعلم الإنسان كيف يحترم قلبه. وكيف يختار بعقله. وكيف يحب دون أن يفقد نفسه.
فالعمر لا يعود إلى الوراء. لكن القلب يستطيع أن يتعلم كيف يبدأ من جديد.
والسؤال فى النهاية ليس هل يجرؤ على الحب مرة أخرى.
السؤال الحقيقى هو. هل يملك الشجاعة ليصدق أن ما مضى كان فصلاً من حياته. وليس الكتاب كله.
