ما يبقى من الذين نحبهم
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
نحن لا نعرف قيمة الأشياء الجميلة وهى معنا دائماً. الإعتياد واحد من أكثر الأشياء قدرة على إخفاء النعم. فالإنسان يعتاد الصوت الذى يطمئنه. والوجه الذى ينتظره. واليد التى تمتد إليه فى لحظات ضعفه. ثم يظن أن كل ذلك جزء ثابت من حياته. حتى يأتى الغياب فيكتشف أن ما كان يراه عادياً كان فى الحقيقة إستثناءً جميلاً لا يتكرر كثيراً.
الحياة لا تمنحنا نسخاً أخرى من اللحظات. اللحظة التى تمر لا تترك وراءها إلا أثرها. تستطيع أن تتذكرها. تستطيع أن تشتاق إليها. تستطيع أن تتمنى لو تصرفت فيها بطريقة مختلفة. لكنك لا تستطيع أن تدخلها مرة أخرى. وهذا هو الوجه الأكثر قسوة للزمن. أنه لا يعاقبنا فقط بما يأخذه منا. وإنما بما يجعلنا ندرك قيمته بعد أن يصبح بعيداً.
لهذا فإن وجود من نحب ليس أمراً مضموناً. الأشخاص ليسوا أثاثاً دائماً فى غرفة العمر. هم عابرون مثلنا. لكل إنسان طريقه. ولكل علاقة عمرها الذى لا نعرف نهايته. وقد يكون الشخص الذى تجلس معه اليوم هو نفسه الإنسان الذى ستبحث عنه غداً فى ذاكرة مزدحمة بالتفاصيل.
بعض البشر لا يضيفون إلى حياتنا شيئاً يمكن قياسه. إنهم يغيرون معناها نفسها. وجودهم يمنح الأيام معنى أكثر إحتمالاً. يجعل التعب أخف. والخوف أقل قسوة. والوحدة أقل إتساعاً. وربما لا يفعلون شيئاً إستثنائياً. يكفى أنهم موجودون. يكفى أن تعرف أن هناك قلباً تستطيع العودة إليه دون أن تشرح كل ما حدث لك.
وهنا تكمن قيمة الإنسان الحقيقى. ليست فى كثرة ما يمنحك. وإنما فى نوع الأمان الذى يتركه داخلك. هناك من يمنحك أشياء كثيرة ولا يمنحك الطمأنينة. وهناك من لا يملك لك سوى كلمة صادقة. لكنها تكفيك عن أشياء كثيرة.
لذلك لا تؤجل الحنان. فالكلمات الجميلة لا تفقد قيمتها عندما تتكرر. الذى يفقد قيمته هو الصمت عندما يكون الكلام ضرورياً. لا تؤجل السؤال عن شخص تحبه. لا تؤجل إبتسامتك. لا تؤجل العناق. لا تجعل كبرياءك أكثر أهمية من قلب يعرف قيمتك. فبعض القلوب لا تحتاج إلى الكثير. تحتاج فقط إلى علامة صغيرة تقول لها إن وجودها ما زال مهماً.
نحن نؤجل المشاعر لأننا نتعامل مع الغد كأنه وعد. نقول سنلتقى. سنتحدث. سأعتذر. سأقول له إننى أحبه. سأخبره كم كان وجوده مهماً. ثم يمضى اليوم. ويأتى يوم آخر. ونظل نكرر التأجيل نفسه حتى يصبح التأجيل عادة. ثم يأتى الغياب ليضع أمامنا الحقيقة بلا تجميل. لم يكن لدينا وقت أقل. كنا فقط نعتقد أن الوقت كثير.
وأحياناً لا يكون الفقد موتاً. قد يكون إبتعاداً. أو تغيراً. أو إنطفاء علاقة كانت ذات يوم ممتلئة بالحياة. قد يجلس الشخص أمامك. لكن المسافة بينكما تصبح أبعد من أن تعبرها الكلمات. وهنا ندرك أن بعض الغياب يبدأ قبل الرحيل. وأن الإنسان قد يفقد شخصاً وهو ما زال يراه.
ما يؤلم فى الفقد ليس الرحيل وحده. وإنما الأشياء التى لم تكتمل. الجملة التى لم نقلها. الإعتذار الذى تأخر. اللمسة التى منعناها عن أنفسنا. اللقاء الذى أجلناه. والمودة التى أخفيناها خلف قسوة مؤقتة. الإنسان لا يحزن فقط على من فقد. بل يحزن أيضاً على النسخة التى كان يمكن أن يكونها لو منح الحب فرصة أكبر.
ولعل أكثر ما يرهق القلب أن نعرف بعد فوات الأوان أننا كنا نستطيع أن نفعل شيئاً بسيطاً. كلمة واحدة. مكالمة قصيرة. زيارة. إبتسامة. تنازلاً صغيراً عن العناد. أحياناً لا يحتاج إنقاذ العلاقة إلى معجزة. يحتاج فقط إلى أن يتخلى أحد الطرفين عن رغبته فى الإنتصار.
الحب ليس إمتلاكاً. وليس خوفاً دائماً من الفقد. الحب أن تعرف قيمة الإنسان وهو بجوارك. أن تمنحه مساحة ليكون نفسه. أن تحترم ضعفه كما تحترم قوته. أن تسمع ما وراء كلماته. وأن تدرك أن الشخص الذى أمامك يحمل تاريخاً من الألم والخذلان والأحلام التى لا تعرف عنها شيئاً.
ومن يحب حقاً لا ينتظر دائماً مناسبة ليقول كلمة جميلة. المناسبات الحقيقية هى الأيام العادية. الصباح الذى لا يحمل خبراً. المساء الذى لا يحدث فيه شىء. اللحظة التى يجلس فيها شخص تحبه إلى جوارك دون أن يطلب شيئاً. هناك تحديداً يجب أن ننتبه. فالحياة الجميلة لا تصنعها اللحظات الكبيرة وحدها. تصنعها التفاصيل التى نمر عليها دون أن ندرك أنها كانت تصنع عمرنا.
إحفظ القلوب النقية ما إستطعت. ليس لأنها ضعيفة. وإنما لأنها نادرة. الإنسان الصادق قد يسامح كثيراً. لكنه لا ينسى الطريقة التى جعلته يشعر بها. وقد يرحل دون ضجيج. دون خصومة. دون أن يترك وراءه سوى هدوء غريب. وعندها فقط تفهم أن بعض الأشخاص لا يغادرون حياتنا دفعة واحدة. إنهم يأخذون معهم جزءاً من الضوء الذى كان يملأها.
لا تجعل غضب ساعة يهدم علاقة صنعتها سنوات. لا تمنح لحظة إنفعال سلطة على تاريخ طويل. فهناك كلمات يمكن أن تنتهى بمجرد قولها. لكن أثرها قد يبقى سنوات. وهناك أبواب تغلقها جملة واحدة. ثم تكتشف بعد ذلك أنك كنت تستطيع إختيار جملة أخرى.
لسنا مطالبين بأن نحب الجميع. ولسنا مطالبين بأن نحافظ على كل علاقة مهما كان ثمنها. لكننا مطالبون بأن نعرف قيمة العلاقات التى تستحق البقاء. وأن نميز بين الخلاف الذى يمكن إصلاحه. والجرح الذى يحتاج إلى مسافة. وأن نعرف أن الحفاظ على من نحب لا يعنى أن نفقد أنفسنا من أجلهم. وإنما يعنى أن نمنح الحب ما يستحقه من صدق وإهتمام وإحترام.
لا يبقى لنا من الناس إلا أثرهم. قد تتغير الأماكن. وقد تتبدل الوجوه. وقد تمحو السنوات تفاصيل كثيرة. لكن الإنسان يحتفظ فى داخله بشعور تركه شخص ما ذات يوم. ربما لا يتذكر الكلمات حرفياً. لكنه يتذكر أنه كان محبوباً. أو أنه كان مهماً. أو أنه كان آمناً. وهذا ربما يكون أعظم ما يمكن أن يتركه إنسان فى حياة إنسان آخر.
فإذا كان فى قلبك شخص تحبه. فلا تنتظر الغياب ليخبرك بقيمته. وإذا كانت لديك كلمة جميلة. فقلها. وإذا كان هناك إعتذار صادق. فلا تؤجله بلا سبب. وإذا كان هناك قلب يمنحك الأمان. فلا تتعامل معه كأنه مضمون إلى الأبد.
نحن جميعاً مؤقتون فى حياة بعضنا البعض. وهذه ليست دعوة إلى الخوف. بل دعوة إلى الوعى. أن نعرف أن الأشياء الجميلة لا تصبح أقل قيمة لأنها مؤقتة. بل تصبح أكثر إستحقاقاً لأن ننتبه إليها.
الحياة لا تعيد اللحظة نفسها. والزمن لا يعيد الأشخاص بالطريقة نفسها. وما نملكه حقاً هو هذه اللحظة التى نعيشها الآن. لذلك أحب بصدق. وقل ما تشعر به. وكن رحيماً بمن إختار أن يضع جزءاً من قلبه بين يديك.
فأجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس إسمه. ولا ماله. ولا عدد السنوات التى عاشها. وإنما قلباً كان أكثر دفئاً لأنه مر من هنا.
