📁 آخر الأخبار

المصلحة معياراً وحيداً بين الناس

 المصلحة معياراً وحيداً بين الناس

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

لم تعد كل العلاقات تبدأ من السؤال البسيط. من أنت؟ أحياناً يبدأ السؤال بطريقة مختلفة. ماذا تستطيع أن تقدم؟ ماذا تملك؟ ماذا تستطيع أن تفعل من أجلى؟ ماذا يمكن أن أستفيد منك؟ وحين يصبح هذا النوع من الأسئلة هو المدخل الأول إلى العلاقات. فإن شيئاً مهماً يكون قد تغير فى نظرتنا إلى الإنسان. لم يعد الإنسان إنساناً فى ذاته. وإنما أصبح قيمة مرتبطة بما يقدمه من منفعة. وهنا تبدأ المشكلة.

المصلحة جزء طبيعى من الحياة. ولا يمكن للإنسان أن يعيش بعيداً عن إحتياجاته ومصالحه. الناس يتعاونون لأن بينهم مصالح مشتركة. ويعملون معاً لأن كل طرف يحتاج إلى ما يقدمه الآخر. وهذا أمر طبيعى ما دام قائماً على الوضوح والإحترام والتوازن. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المصلحة من عنصر داخل العلاقة إلى معيار وحيد للحكم عليها. عندما يصبح الإنسان مهماً ما دام مفيداً. ويصبح قريباً ما دام قادراً على تقديم شيء. ويصبح الصديق مرغوباً ما دام يحقق منفعة. ويصبح الشخص الذى لم يعد يملك ما يقدمه مجرد إسم قديم فى الذاكرة.

فى هذه اللحظة تفقد العلاقة معناها الإنسانى. لأن العلاقات الحقيقية لا تقاس دائماً بما يعود علينا منها. بعض الأشخاص يدخلون حياتنا لأن وجودهم نفسه له قيمة. لأنهم يمنحوننا الأمان. أو الصدق. أو الصحبة. أو المعرفة. أو مجرد الشعور بأن هناك إنساناً يمكن الإعتماد عليه فى لحظة صعبة. لكن ثقافة المنفعة تجعل الإنسان ينظر إلى هذه الأشياء بإعتبارها تفاصيل ثانوية. ويصبح السؤال المسيطر. ماذا سأحصل عليه؟

وقد يبدو هذا التفكير ذكياً فى البداية. فالإنسان الذى يحسب مصالحه قد يظن أنه أكثر وعياً. وأكثر قدرة على حماية نفسه. لكنه إذا بالغ فى هذا التفكير فقد يتحول من شخص حريص على حقوقه إلى شخص لا يرى فى الآخرين إلا ما يمكن أن يحصل عليه منهم. وهنا تصبح العلاقات أشبه بسوق كبير. كل شخص يعرض ما لديه. وكل شخص يبحث عما ينقصه. وحين تنتهى المنفعة ينتهى التعامل.

قد يكون الأمر واضحاً فى بعض العلاقات العملية. وهذا مفهوم. لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما تنتقل هذه الطريقة إلى العلاقات الإنسانية نفسها. أن يصبح السؤال بين الأصدقاء. ماذا ستضيف لى؟ وأن يصبح القرب من الآخرين مرتبطاً بمكانتهم. وأن تتغير المعاملة حسب قدرة الشخص على تحقيق المنفعة. وأن يختفى الإهتمام عندما تختفى الحاجة. هذه ليست علاقة إنسانية ناضجة. إنها علاقة مشروطة. والعلاقات المشروطة بالمصلحة وحدها تحمل بداخلها بذور نهايتها.

لأن المصلحة متغيرة. قد يملك الإنسان اليوم ما يحتاجه الآخرون. ثم يفقده غداً. قد يكون فى موقع يسمح له بالمساعدة. ثم تتغير ظروفه. قد يكون قوياً فى مرحلة. ثم يحتاج هو نفسه إلى من يسنده. فإذا كانت العلاقة مبنية بالكامل على المنفعة. فإنها ستتغير بمجرد تغير الظروف.

وهنا يظهر معدن العلاقات الحقيقية. الإنسان الذى يبقى قريباً منك عندما لا يكون لديك ما تقدمه. هو الذى يمنح العلاقة معناها. والشخص الذى يسأل عنك دون أن يحتاج منك شيئاً. يقدم لك شيئاً أثمن من أى منفعة مادية. والصديق الذى يظل موجوداً فى أيام ضعفك. يكشف لك قيمة الصداقة الحقيقية.

لكن لماذا أصبح من السهل أن تتحول العلاقات إلى حسابات؟ لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن الأمان. وفى عالم سريع التغير قد يبدأ البعض فى قياس كل شىء بمنطق الربح والخسارة. كم سأستفيد؟ كم سأخسر؟ من يستحق وقتى؟ من يستحق إهتمامى؟ من يستطيع أن يساعدنى؟ هذه الأسئلة قد تكون مفيدة فى بعض المواقف. لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى طريقة دائمة فى رؤية البشر.

لأن الإنسان أكبر من وظيفته. وأكبر من دخله. وأكبر من مركزه. وأكبر من قدرته على تقديم الخدمات. قد تفقد المال. ولا تفقد قيمتك. وقد تتغير ظروفك. ولا تتغير إنسانيتك. وقد تصبح فى يوم من الأيام الشخص الذى يحتاج إلى الآخرين بعد أن كنت الشخص الذى يساعدهم. ولهذا فإن بناء العلاقات على المصلحة وحدها يحمل ظلماً خفياً. لأنه يجعل قيمة الإنسان متحركة مع قدرته على العطاء.

والإنسان الذى يعيش بهذه الطريقة قد يخشى دائماً أن يفقد أهميته. إذا لم أعد قادراً على المساعدة. هل سيبقى هؤلاء إلى جوارى؟ إذا تغيرت ظروفى. هل سيظل أصدقائى كما هم؟ إذا لم أعد أملك ما كنت أملكه. هل سيعاملنى الناس بالطريقة نفسها؟ وهذه الأسئلة مؤلمة. لأنها تكشف أن بعض العلاقات لم تكن مرتبطة بالإنسان نفسه. وإنما بما يملكه.

وقد تكون الصدمة الكبرى عندما يكتشف الإنسان ذلك بعد سنوات. ليس كل من إقترب منك كان يحبك. بعضهم أحب ما كان يحصل عليه منك. والفرق بين الأمرين لا يظهر دائماً فى الأيام السهلة. يظهر فى الأزمات. فى اليوم الذى تقول فيه. لا أستطيع. فى اللحظة التى تحتاج فيها إلى من يساعدك. فى الوقت الذى لا تملك فيه شيئاً تقدمه. هناك فقط تعرف من كان قريباً منك لأنك أنت مهم. ومن كان قريباً منك لأن ما لديك كان مهماً.

وهذا لا يعنى أن نعيش بعقلية الشك. فمن الخطأ أن ننظر إلى كل علاقة بإعتبارها مشروعاً للإستغلال. الناس ليسوا سواء. هناك من يحب بصدق. وهناك من يتعامل بمنطق المنفعة. وهناك من يجمع بين الأمرين بصورة متوازنة. المطلوب ليس أن نشك فى الجميع. المطلوب أن نكون أكثر وعياً. أن نعرف الفرق بين العلاقة المتبادلة والعلاقة الإستغلالية.

فالعلاقة المتبادلة لا تعنى أن يقدم طرف كل شىء والآخر لا يقدم شيئاً. لكنها تعنى أن هناك قدراً من الإحترام والتقدير والحرص على مصلحة الطرفين. أما الإستغلال فهو أن يأخذ طرف بإستمرار. ويجعل عطاء الآخر أمراً مفروغاً منه. ثم يختفى عندما يحين وقت رد الجميل.

وهناك فرق آخر مهم. أن تطلب المساعدة من شخص لا يعنى بالضرورة أنك تستغله. وأن تستفيد من خبرة شخص لا يعنى أن علاقتك به زائفة. الحياة تقوم على تبادل المنافع فى صور كثيرة. المشكلة ليست فى المنفعة. المشكلة فى إختزال الإنسان كله إلى منفعة.

قد أتعامل مع شخص لأنه يمتلك خبرة أحتاج إليها. ثم أكتشف فيه بعد ذلك إنساناً أحترمه وأقدره. وقد أتعرف إلى شخص من خلال العمل. ثم تتحول العلاقة إلى صداقة حقيقية. المصلحة قد تكون باباً للعلاقة. لكن لا ينبغى أن تكون جدرانها وسقفها ونهايتها.

العلاقة الإنسانية تحتاج إلى شيء آخر. تحتاج إلى المودة. وإلى الثقة. وإلى الإحترام. وإلى القدرة على البقاء حتى عندما لا توجد مكاسب واضحة.

ومن المؤلم أن بعض الناس لا يتذكرون الإنسان إلا عندما يحتاجون إليه. يتصلون بعد غياب طويل. يسألون بعد سنوات. يتذكرون رقم الهاتف فجأة. ثم يبدأ الطلب. وهنا يشعر الإنسان أنه لم يكن غائباً عن الذاكرة. بل كان حاضراً فيها بإعتباره حلاً لمشكلة.

هذا النوع من العلاقات يترك أثراً عميقاً. لأن الإنسان لا يتألم فقط من الطلب. بل من إكتشاف سبب الإتصال. وقد يتكرر الأمر حتى يتعلم الإنسان أن يغلق أبوابه.

وهنا تحدث مشكلة أخرى. الإنسان الذى تعرض للإستغلال مرات كثيرة قد يصبح قاسياً مع الجميع. يفقد ثقته فى الناس. يرفض المساعدة. يشك فى النوايا. ويفسر كل تقارب على أنه محاولة للحصول على شيء. وهذا أيضاً خطر. لأن التجارب السيئة قد تعلمنا الحذر. لكنها لا ينبغى أن تعلمنا القسوة.

ليس المطلوب أن تمنع الخير عن الناس حتى لا يستغلوك. المطلوب أن تتعلم أن تعطى بوعى. أن تعرف حدودك. أن تقول لا عندما يكون العطاء فوق قدرتك. أن تميز بين من يحتاج إليك فعلاً ومن إعتاد أن يستخدمك. وأن تفهم أن مساعدة الآخرين قيمة جميلة. لكنها لا تعنى أن تتحول إلى مورد مفتوح بلا حدود.

فبعض الناس لا يعرفون الفرق بين الكرم وإلغاء الذات. يقدمون كل شىء. ثم يشعرون بالمرارة عندما لا يجدون المقابل. والحل ليس دائماً أن نطلب المقابل. بل أن نعطى ما نستطيع أن نعطيه دون أن نظلم أنفسنا.

إذا لم تستطع. فقل لا. إذا كنت متعباً. فقل ذلك. إذا لم يكن الأمر مناسباً لك. فليس من الضرورى أن تخترع أعذاراً. الحدود لا تقتل العلاقات السليمة. بل تكشف العلاقات غير السليمة.

الشخص الذى يحترمك سيحترم حدودك. أما الذى يريدك فقط لما تقدمه. فسوف يغضب عندما تتوقف عن تقديمه. وهذا الغضب قد يكون كشفاً مهماً. لأنه يخبرك بالحقيقة التى ربما كنت تتجاهلها.

هناك أيضاً مصلحة أكثر خفاءً. أن يبحث الإنسان عن الأشخاص أصحاب النفوذ الإجتماعى أو المكانة أو القدرة على فتح الأبواب. ثم يبتعد عن الذين لا يملكون له شيئاً. هذه الطريقة فى التفكير قد تجعل الإنسان يربح علاقات كثيرة. لكنه يخسر شيئاً أهم. القدرة على رؤية قيمة البشر بعيداً عن مواقعهم.

فالإنسان الذى يجلس مع شخص لأنه يراه مفيداً فقط. قد يفوته أن أكثر الناس قيمة قد يكونون أولئك الذين لا يملكون شيئاً يعرضونه سوى إنسانيتهم. قد تجد الحكمة عند شخص بسيط. وقد تجد الوفاء عند إنسان لا يملك الكثير. وقد تجد الصداقة الحقيقية عند شخص لا يستطيع أن يحل مشكلاتك. لكنه يستطيع أن يبقى إلى جوارك عندما تعجز أنت عن حلها.

وهذا النوع من العلاقات لا يظهر فى الحسابات السريعة. لأنه لا يقدم ربحاً فورياً. لكنه يمنح الإنسان شيئاً لا تشترى قيمته بالمال. الطمأنينة.

وهناك سؤال يجب أن يسأله كل إنسان لنفسه. لو لم أكن قادراً على تقديم أى منفعة لهذا الشخص. هل سيبقى فى حياتى؟ ثم سؤال أكثر صعوبة. لو لم يكن هذا الشخص قادراً على تقديم أى منفعة لى. هل سأبقى فى حياته؟

الإجابة قد تكشف أشياء كثيرة. وقد تكون مؤلمة. لكنها مفيدة. لأن مراجعة العلاقات ليست دعوة إلى قطع الناس. وإنما دعوة إلى فهم طبيعتها.

من يحبك. ومن يحتاجك. ومن يحترمك. ومن يستخدمك. ومن يقف معك. ومن يقف بجوارك فقط عندما تكون قادراً على الوقوف من أجله.

والإنسان الناضج لا يكره من إكتشف أنه كان قريباً منه لمصلحة. لكنه يتعلم منه. يتعلم ألا يمنح ثقته بسرعة. وألا يربط قيمته بمدى إحتياج الآخرين إليه. وألا يجعل كثرة الطلبات دليلاً على أهميته.

فقد يكون الإنسان مطلوباً لأنه مفيد. لكن قيمته الحقيقية تظهر فى وجود من يحبه حتى عندما لا يحتاج إليه.

ومن الضرورى أيضاً أن نراجع أنفسنا. فقد نلوم الآخرين على حساباتهم. بينما نمارس نحن الحسابات نفسها دون أن نشعر. هل نتذكر صديقاً فقط عندما نحتاجه؟ هل نسأل عن شخص لأننا نريد منه شيئاً؟ هل نقترب من إنسان بسبب مكانته ثم نختفى عندما تتغير ظروفه؟ هل نعطى الأشخاص الأقل قدرة على مساعدتنا القدر نفسه من الإهتمام الذى نعطيه لمن يمكنه أن يخدم مصالحنا؟

هذه الأسئلة ليست إتهاماً. إنها مراجعة. فالإنسان قد يقع فى السلوك نفسه الذى يرفضه عندما يفعله الآخرون. والنضج الحقيقى يبدأ عندما نضع أنفسنا أمام المرآة قبل أن نحاكم الناس.

الحياة لا يمكن أن تخلو من المصالح. ولا ينبغى لها ذلك. لكنها تصبح أكثر إنسانية عندما تكون المصلحة جزءاً من العلاقة وليست سبباً وحيداً لوجودها. نحتاج إلى أن نتعاون. وأن نتبادل المنافع. وأن نساعد بعضنا بعضاً. لكننا نحتاج أيضاً إلى أن نعرف قيمة الإنسان عندما لا يملك شيئاً ليقدمه.

قد تتغير الوظائف. وقد تتغير الظروف. وقد يذهب المال. وقد تضعف القدرة. وقد تتبدل المواقع. لكن الإنسان الذى كان صادقاً معك فى وقت لم يكن يحتاج منك شيئاً. هو الذى يستحق أن تعرف قيمته.

العلاقات الحقيقية لا تسأل دائماً. ماذا ستعطينى؟ أحياناً تسأل سؤالاً أكثر إنسانية. كيف حالك؟ هل أنت بخير؟ هل تحتاج إلى شىء؟ أنا بجوارك. وهذه الجمل البسيطة قد تكون أثمن من أى منفعة. لأن الإنسان لا يريد أن يكون مفيداً طوال الوقت. يريد أحياناً أن يكون محبوباً لذاته. أن يشعر أن وجوده يكفى. أن يعرف أن غيابه سيترك فراغاً فى قلب أحدهم. وليس مجرد فراغ فى جدول المصالح.

وربما يكون أجمل ما نتعلمه فى علاقاتنا أن نستخدم المصلحة دون أن نسمح لها بإستخدام إنسانيتنا. أن نعرف إحتياجاتنا دون أن نختزل الآخرين فيها. أن نعطى دون إستغلال. وأن نأخذ دون جحود. وأن نقترب من الإنسان لأنه إنسان قبل أن نسأل ماذا يملك.

فحين تصبح المصلحة هى المعيار الوحيد للعلاقات. تتحول الحياة إلى شبكة من الحسابات. وحين يعود الإنسان إلى رؤية الإنسان أولاً. تعود للعلاقات روحها.

فليس كل من لا ينفعك الآن عديم القيمة. وليس كل من ينفعك جديراً بقلبك. والفارق بين الاثنين هو ذلك الجزء النبيل من الإنسان الذى لا تستطيع أى مصلحة أن تقيسه.



تعليقات