لماذا أصبح الصبر عملة نادرة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لم يعد الصبر فى حياتنا كما كان. لم تعد مساحة الإحتمال واسعة كما كانت. أصبح الإنسان يريد كل شىء سريعاً. يريد الإجابة فوراً. والنتيجة فوراً. والإعتذار فوراً. والحب فوراً. والنجاح بلا طريق طويل. وربما أصبح يريد من الآخرين أن يفهموه من أول كلمة. وأن يوافقوه من أول حديث. وأن يعتذروا قبل أن يعرفوا حتى لماذا غضب.
المشكلة ليست فى سرعة الحياة وحدها. فالحياة بالفعل أصبحت أكثر إزدحاماً. والمسؤوليات أصبحت أثقل. والضغوط أصبحت أكثر حضوراً فى تفاصيل اليوم. لكن المشكلة الأعمق أن كثيراً منا لم يعد يمتلك المساحة الداخلية التى تجعله قادراً على الإحتمال. أصبح الموقف الصغير قادراً على إشعال غضب كبير. وأصبحت الكلمة العابرة قادرة على صناعة خصومة. وأصبح الإختلاف البسيط قابلاً للتحول إلى قطيعة.
ربما لأننا تعودنا أن نحصل على الأشياء بسرعة. فأصبحت عقولنا أقل إستعداداً للإنتظار. نضغط على زر فنحصل على ما نريد. نرسل رسالة وننتظر الرد. نطلب خدمة ونريدها فوراً. نبحث عن معلومة فنجدها فى ثوانٍ. ومع تكرار هذا النمط أصبحت السرعة جزءاً من طريقة تفكيرنا. ثم إنتقل أثرها من الأشياء إلى الإنسان.
لكن الإنسان ليس آلة تعمل بالطلب. والمشاعر ليست خدمة سريعة. والعلاقات لا يمكن إدارتها بمنطق الأوامر. قد يحتاج شخص إلى وقت حتى يفهم ما حدث. وقد يحتاج آخر إلى مساحة حتى يهدأ. وقد يحتاج ثالث إلى فرصة حتى يستطيع التعبير عما بداخله. وكل ذلك لا يعنى بالضرورة إهمالاً أو بروداً أو عدم إهتمام.
أحياناً نغضب من شخص لأنه لم يفهمنا. بينما نحن أنفسنا لم نحاول أن نفهمه. نطلب من الآخرين أن يراعوا ظروفنا. ثم ننسى أن لهم ظروفاً لا نعرف عنها شيئاً. نحاسب شخصاً على تأخره. ولا نعرف ماذا حدث فى الطريق. ونلوم موظفاً على خطأ بسيط. ولا نعرف حجم الضغط الذى يعمل تحته. ونغضب من أحد أفراد الأسرة بسبب تصرف عابر. بينما ربما كان يحمل طوال اليوم أعباء لم يتحدث عنها.
الصبر ليس ضعفاً. وليس قبولاً دائماً بما لا نرضاه. وليس تنازلاً عن الكرامة. الصبر قدرة على تأجيل رد الفعل حتى تتضح الصورة. وقدرة على الفصل بين ما يستحق الغضب وما لا يستحقه. وقدرة على أن نقول ما نريد دون أن نحول كل خلاف إلى معركة.
وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الذى يملك نفسه والإنسان الذى تملكه إنفعالاته. الأول قد يغضب. لكنه لا يسمح لغضبه بأن يقوده. والثانى قد يبدأ حديثه بكلمة صغيرة. ثم يجد نفسه بعد دقائق يقول كلاماً لم يكن يريد قوله. وبعد إنتهاء الغضب يبدأ فى دفع ثمن لحظة لم يستطع السيطرة عليها.
كم علاقة إنتهت بسبب كلمة قيلت فى لحظة غضب. وكم صداقة إبتعد أصحابها بسبب موقف كان يمكن إحتواؤه بكلمة هادئة. وكم بيتاً أصبح أكثر برودة لأن أحد أطرافه إعتاد أن يرد على كل ملاحظة بإنفعال. وكم أب أو أم أو إبن إحتفظ فى داخله بكلمات مؤلمة لم يستطع نسيانها. ليس لأن الكلمة كانت عظيمة. ولكن لأن قائلها كان شخصاً عزيزاً.
وفى العمل تظهر المشكلة بصورة أخرى. الموظف الذى لا يحتمل ملاحظة. والمدير الذى يفسر كل إختلاف بإعتباره تحدياً. والزميل الذى يعتبر أى ملاحظة نقداً لشخصه. وهكذا يتحول مكان العمل من مساحة لإنجاز المسؤوليات إلى مساحة للدفاع المستمر عن النفس.
العمل يحتاج إلى إختلاف. ويحتاج إلى مراجعة. ويحتاج إلى أن يقول الإنسان إن هناك خطأ. لكن الفرق كبير بين تصحيح الخطأ وإهانة صاحبه. وبين أن تختلف مع فكرة وأن تهاجم صاحبها. وبين أن تطلب حقك وأن تفقد إحترامك للآخر.
وفى الشارع تصبح قلة الصبر أكثر وضوحاً. سيارة تتأخر ثوانى. شخص يقف أمامك. طابور يتحرك ببطء. عامل لا ينفذ طلبك بالسرعة التى تريدها. مواقف بسيطة يمكن تجاوزها. لكنها أحياناً تتحول إلى مشادات لا تتناسب أبداً مع حجم السبب.
والأخطر أن الإنسان قد يعتاد الغضب حتى يصبح الغضب جزءاً من شخصيته. فيبدأ فى تفسير كل شىء بطريقة تستفزه. ويصبح يبحث عن الخطأ قبل أن يبحث عن العذر. ويرى سوء النية قبل أن يرى إحتمال الخطأ. ومع الوقت لا يعود الغضب رد فعل على الحياة. بل يصبح طريقته فى التعامل معها.
نحن فى حاجة إلى أن نستعيد قيمة التمهل. أن نتعلم أن بعض الأسئلة يمكن أن تنتظر. وبعض الردود يمكن تأجيلها. وبعض الخلافات لا تحتاج إلى إنتصار. وبعض الكلمات الأفضل ألا تقال أصلاً.
ليس ضرورياً أن ترد على كل كلمة. وليس ضرورياً أن تثبت أنك على حق فى كل نقاش. وليس ضرورياً أن تجعل الآخر يعترف بخطئه حتى تشعر أنك إنتصرت. أحياناً يكون الإنتصار الحقيقى أن تحافظ على علاقة مهمة دون أن تتنازل عن حقك. وأن تضع حدوداً واضحة دون أن تتحول إلى خصومة. وأن تقول ما يؤلمك دون أن تؤلم من أمامك بالطريقة نفسها.
الصبر أيضاً لا يعنى أن يتحمل الإنسان ما لا يجب تحمله. فهناك فرق بين الصبر وبين الإستسلام. وبين التسامح وبين السماح بتكرار الأذى. وبين الهدوء وبين الخوف من المواجهة. الإنسان الناضج لا يثور على كل شىء. لكنه أيضاً لا يسمح لكل شىء بأن يمر فوق كرامته.
وربما نحتاج قبل أن نغضب من الآخرين إلى سؤال بسيط. هل يستحق هذا الموقف كل هذا الغضب. وهل سيكون مهماً بعد يوم. وهل ستظل الكلمة التى أريد قولها الآن مهمة بعد أسبوع. وهل يمكن أن أقول المعنى نفسه بطريقة أقل قسوة.
هذه الأسئلة الصغيرة قد تمنع خسارات كبيرة.
لقد أصبح العالم سريعاً بما يكفى. ولا نحتاج أن نجعل أرواحنا أسرع منه. نحن نحتاج إلى مساحة نلتقط فيها أنفاسنا. وإلى عقل يفكر قبل أن يحكم. وإلى قلب يستطيع أن يمنح الآخرين فرصة ثانية للفهم. وإلى لغة تعرف كيف تعبر عن الغضب دون أن تتحول إلى سلاح.
فالحياة ليست مسابقة فى سرعة الرد. وليست كل لحظة إختباراً للقدرة على الإنتصار. هناك أوقات يكون فيها التراجع خطوة نحو الحكمة. ويكون الصمت المؤقت حماية لعلاقة. ويكون تأجيل الرد إحتراماً للنفس قبل أن يكون إحتراماً للآخر.
ربما لا نستطيع أن نبطئ العالم من حولنا. ولا نستطيع أن نمنع الناس من الخطأ. ولا نستطيع أن نجعل كل الأشياء تسير وفق ما نريد. لكننا نستطيع أن نختار الطريقة التى نواجه بها كل ذلك.
نستطيع أن نتعلم أن ليس كل ما يزعجنا يستحق غضبنا. وأن ليس كل إختلاف يستحق خصومة. وأن ليس كل كلمة تستحق رداً. وأن بعض المواقف يكون تجاوزها أكثر حكمة من الإنتصار فيها.
فالحياة لا تخسرنا الآخرين دفعة واحدة. أحياناً نخسرهم بكلمة قيلت فى لحظة غضب. وبحكم متسرع. وبرد فعل لم نمنح أنفسنا دقيقة واحدة قبل إطلاقه.
ولذلك فإن الصبر ليس أن نتحمل الحياة بصمت. وليس أن نقبل ما يؤذينا. وإنما أن نمتلك أنفسنا فى اللحظة التى يكون فيها الإنفعال أقرب إلينا من الحكمة. أن نغضب دون أن نظلم. وأن نختلف دون أن نجرح. وأن نرفض دون أن نهين. وأن نحافظ على كرامتنا دون أن نهدر كرامة الآخرين.
وربما يكون الإنسان أكثر نضجاً عندما يعرف أن بعض المعارك لا تستحق أن يخوضها. وأن بعض الكلمات الأفضل أن تبقى فى القلب. وأن بعض الردود إذا تأخرت قليلاً خرجت أكثر عدلاً وأقل قسوة.
لن يتذكر الناس كم مرة إنتصرنا فى الجدال. لكنهم سيتذكرون كيف جعلناهم يشعرون وهم يتحدثون إلينا.
ولهذا قد يكون الصبر واحداً من أرقى أشكال القوة. لأنه لا يمنع الإنسان من الكلام. وإنما يعلمه متى يتكلم. ولا يمنعه من الغضب. وإنما يعلمه ألا يصبح الغضب سيداً عليه.
وربما نحتاج جميعاً إلى أن نتعلم من جديد أن نترك بين الموقف ورد الفعل لحظة واحدة فقط. لحظة نرى فيها الصورة كاملة. ونفكر قبل أن نحكم. ونهدأ قبل أن نجرح.
فقد تكون لحظة صبر واحدة كافية لإنقاذ علاقة. وكلمة لم نقلها كافية لمنع جرح. وخطوة إلى الوراء كافية حتى لا نخسر إنساناً كان يستحق أن يبقى.
