لا أحد يحب الرحيل، فدائمًا ما تكون هناك محاولات شتى لترميم ما تبقى من العلاقات التي هزمتها الأيام وبدلتها فصول السنة، وصبرٌ يسبق عاصفة الاستغناء. ولكن ثمة أشياء لا تستحق التكملة بسبب إنهاك الروح وقطع أوصال المحبة التي بذلنا في سبيل إبقائها الغالي والنفيس، فنضطر إلى الاستغناء والترك دليلًا على القوة بعدما أنهكتنا المحاولات وجعلتنا أشخاصًا لا نشبه أنفسنا أبداً، وبعد أن أصبحت رحلة التمسك للبقاء ترهق الروح، وتثقل النفس، وتميت القلب.
مرارة الخذلان وثقل الصبر:
الصبر جميل، ولكن ليس دائمًا؛ فأحيانًا يكون سببًا في إتلاف الجسد وإنهاك الروح، لأن الخذلان لا يأتي غالبًا إلا من الأشخاص الأكثر قربًا، أولئك الذين لم نكن نتوقع منهم سوى الأمان والسند.. تظل تعطي بلا مقابل، وتصبر بلا حدود، ولكن عندما يأتي الخذلان منهم في صور متعددة كالتجاهل، والإهانة، واستنزاف الروح، حينها يصبح الصبر استنزافًا للروح وليس للترميم حقًا.
نقطة التحول:
أحيانًا يكون الحب سببًا في غشاوة العين والقلب عن الأذى، فتظل تدور في متاهة ودائرة من الأذى المتكرر الذي لا ينتهي. ولكن عند لحظة ما، تنقشع الغشاوة عن العين لتبصر الحقيقة؛ وهي أن المكان الذي تستميت في البقاء فيه لا يعطيك أمانًا، بل يسلب منك الحرية، والطاقة، والأمان، والشغف، والقوة.. يستنزفك بكل المقاييس.
تضع فجأة نقطة، وتعيد كل شيء من البداية ليصبح التخلي سيد الموقف، والاستغناء مصدر القوة والنبع الحقيقي للسلام النفسي الذي تبحث عنه منذ مدة طويلة. ستكتشف حينها أن التخلي قوة وليس كرهًا للآخرين، بل حب وأمان للذات، وهو أهم من أي أمان زائف تبحث عنه بجوار من لا يقدر وجودك أو قيمتك الحقيقية.
وكما ذكرتُ في كتابي (وكان هواك أمنيتي):
"أحيانًا تكمن القوة في التخلي، وليست في التمسك أبداً."
الاستغناء وقوة الشخصية
عندما تصبح التجربة سببًا في النضج وطريقًا للتحول إلى شخص أكثر صلابة، تدرك أن القوة تكمن دائمًا في التخلي عما يؤذي القلب ويرهق الروح. فبعض التجارب لا تكون سببًا في الكسر، بل هي نقطة التحول الأولى في حياتك لتجعلك أكثر صلابة؛ فالشخص الواعي القادر على التخلي عما يؤذيه ليس شخصًا "بياعًا" كما يقال، ولكنه تعلم الحفاظ على نفسه من الخذلان، وليتحول الجرح بعد الصبر إلى درع صلب يحميه في الحياة من التجارب القادمة.. التجارب تُعلمنا وتُغيرنا لنصبح أشخاصًا آخرين لم نتوقع يوماً وجودهم.
خفة الروح بعد الرحيل:
في نهاية المطاف، كُن متأكدًا بأن التخلي والتخطي لا يكونان نهاية الطريق، فالحياة لا تقف على عتبات أحد، ولا تنتهي لفراق أحد، وعطايا الله دائمًا أفضل مما نتوقع. الطريق الذي يُغلق أمامك تفتح لك معه آفاقٌ جديدة، ونهاية التعلق المؤذي هي بداية الحياة الحقيقية والحرية النفسية.
وكما ذكرتُ في موضع آخر من كتابي (وكان هواك أمنيتي):
"في طريق الحياة، خلف كل يأس يولد أمل جديد من رحم المعاناة."
"لم يكن التخلي خيارنا الأول، بل كان ملجأنا الأخير بعدما أدركنا أن بقاءنا لم يعد يغير شيئًا، سوى أنه يستهلك ما تبقى منا ومن أرواحنا."
