رحلة البحث عن سلام داخلى
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك مشاعر يرفضها القلب. ويعجز العقل عن قبولها. فتتحول داخل الإنسان إلى جرح صامت لا يراه أحد. لكنه يظل ينزف فى أعماقه. يقف القلب فى جانب العاطفة والحنين والرغبة فى الإقتراب. بينما يقف العقل حارساً للكرامة والمبادئ والخبرات التى صنعتها الأيام. وبين الاثنين تبدأ معركة خفية. لا يسمع ضجيجها أحد. لكن صاحبها يشعر بثقلها فى كل لحظة.
القلب بطبيعته يبحث عن الدفء. يريد أن يحب. وأن يغفر. وأن يمنح فرصة جديدة لما يشتاق إليه. لكن العقل يعرف أن كل إقتراب ليس أماناً. وأن بعض المشاعر قد تبدو جميلة فى بدايتها. ثم تكشف الأيام ما لم تره العاطفة. لذلك لا يكون رفض بعض المشاعر قسوة أو جحوداً بالضرورة. أحياناً يكون الرفض وسيلة لحماية النفس من تكرار الألم. ويكون التراجع لحظة من لحظات النضج. لا هزيمة أمام الحب.
المشكلة لا تكمن فى وجود القلب أو العقل. المشكلة تبدأ عندما يستبد أحدهما بالآخر. فمن يسلّم حياته للعاطفة وحدها قد يدفع ثمناً قاسياً. ومن يغلق قلبه بإسم الحكمة قد يتحول إلى إنسان يعيش آمناً. لكنه محروم من دفء الحياة. أما التوازن الحقيقى فيبدأ عندما يسمع الإنسان صوت قلبه. ثم يضع أمامه بصيرة عقله. عندها لا تصبح العاطفة سجناً. ولا تتحول الحكمة إلى جدار بارد يفصل الإنسان عن مشاعره.
والتصالح مع النفس لا يعنى أن نقبل كل ما نشعر به. بل أن نفهم مشاعرنا دون أن نسمح لها بقيادتنا إلى ما يؤذينا. هناك مشاعر تستحق أن نرعاها. وهناك مشاعر يجب أن نتركها تمر دون أن نمنحها مفاتيح حياتنا. وهناك أشخاص قد نحبهم بصدق. لكن وجودهم فى حياتنا لا يكون بالضرورة خيراً لنا. والنضج أن ندرك هذه الحقيقة دون كراهية، ودون رغبة فى الإنتقام. ودون أن نفقد إحترامنا لأنفسنا.
السلام الداخلى لا يأتى من قتل المشاعر. ولا يأتى من الإستسلام لها. إنه يولد من قدرة الإنسان على أن يعرف نفسه. وأن يضع لكل إحساس مكانه الصحيح. أن يحب دون أن يفقد كرامته. وأن يشتاق دون أن ينسى عقله. وأن يغفر دون أن يسمح بتكرار ما كسره. وأن يبتعد حين يصبح القرب إستنزافاً للنفس.
ليست معركة القلب والعقل معركة ينتصر فيها أحدهما على الآخر. إنها رحلة يتعلم فيها الإنسان كيف يكون أكثر وعياً بنفسه. فالحياة لا تحتاج إلى قلب بلا عقل. ولا إلى عقل بلا قلب. إنها تحتاج إلى إنسان يعرف متى يتبع مشاعره. ومتى يتوقف أمامها. ومتى يترك ما يؤلمه حتى لو كان يحبه. وعندما يصل الإنسان إلى هذه المساحة من الوعى. يبدأ السلام الداخلى فى التشكل. سلام لا يعتمد على غياب العواصف. بل على إمتلاك القدرة على عبورها دون أن يفقد الإنسان نفسه.
