📁 آخر الأخبار

 من قسوة الحياة يولد قلب أقوى

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

كنت أظن أن الدنيا أرحم من قسوتها. كنت أبحث فيها عن حضن فى وقت التعب. وعن كلمة فى وقت الإنكسار. كنت أصدق أن الطيبة تورث الطيبة. وأن الحب يجلب الحب. لكن التجربة كانت أصدق من أحلامى. وأثبتت لى أن العطاء المفرط لا يعود إلا بالخذلان. وأن الرحمة ليست قانوناً للحياة. بل إستثناء نادر الحدوث.

تعلمت أن الوجع لا يأتى فقط من الغدر. بل من صمت الوعود الكاذبة. ومن غياب الأيدى التى وثقنا بها. ومن الغربة التى نصادفها وسط من حسبناهم أقرب الناس إلينا. أدركت أن أقسى الخسارات ليست فى الرحيل. بل فى إكتشاف أننا كنا مخدوعين منذ البداية. وأن كلمات الحنان لم تكن إلا صدى بلا جذور. وأن القلب إذا لم يحفظ نفسه. لن يحفظه أحد.

وربما كان أصعب ما نتعلمه أن بعض الأبواب التى أوجعتنا لم تكن خسارتها فى إغلاقها. بل فى أننا وقفنا أمامها طويلاً ننتظر منها ما لم تكن قادرة على منحه. لذلك لا يكون النضج فى أن نقسو على قلوبنا. وإنما فى أن نعرف أين نضع مشاعرنا. ولمن نمنح ثقتنا. ومتى ندرك أن الحفاظ على النفس ليس أنانية. بل إحترام لما تبقى فينا من قدرة على الحب.

ربما يكون الحل أن نصير نحن الوطن لأنفسنا. أن نحب أرواحنا قبل أن نطلب من أحد أن يمنحنا الحب. أن نصير الحضن والسند والونس. حتى إذا قست الدنيا وجدنا فى أعماقنا ماء الحياة. وأن نصدق أن كل إنكسار يحمل بذرة ميلاد جديد. وأن كل خيبة تحتوى على حكمة عميقة.

وليس معنى أن نصير وطناً لأنفسنا أن نغلق أبوابنا أمام الآخرين. أو أن نعيش مكتفين بأنفسنا بعيداً عن كل علاقة. فالقلب بطبيعته يحتاج إلى قلب يشاركه الطريق. لكن الفرق أن نحب من موقع الإمتلاء لا من موقع الإحتياج. وأن نعطى دون أن نفقد أنفسنا. وأن نقترب دون أن نضع أرواحنا رهينة لغياب أحد أو حضوره. فالحب الحقيقى لا ينتزع منا أنفسنا. بل يجعلنا أكثر قدرة على أن نكون أنفسنا.

الدنيا ليست عادلة ولا حنونة. لكنها معلم قاس يعلمنا كيف نصوغ أرواحنا من جديد. تعلمنا أن السقوط دعوة للنهوض. وأن الوحدة ليست لعنة إذا تحولت إلى صحبة للنفس. وأن الألم ليس عدواً إذا صار معلماً للصبر والوعى. تعلمنا أن من يفتش عن الأمان فى قلوب الآخرين يهلك. لكن من يبنيه داخل قلبه ينجو.

القوة ليست أن تتظاهر بالصلابة. ولا أن تهرب من ضعفك. لكنها أن تعترف بضعفك ثم تقوم. أن تتألم ثم تبتسم. أن تنكسر ثم تعيد جمع شتاتك. أن تستمر فى الإيمان بالحب حتى بعد أن أصابك الغدر. وأن تظل متمسكاً بالنور حتى بعد أن أحرقتك العتمة. أن تبقى وفياً لإنسانيتك رغم كل قسوة العالم.

الدنيا لن تتبدل. ستظل تقسو وتختبرنا. وتتركنا نتذوق مرارة الخيبات. لكننا نحن القادرون أن نتغير. نحن القادرون أن نحول الخيبة إلى درس. والجرح إلى قوة. والأنين إلى بداية جديدة. نحن القادرون أن نصير أرحم لأنفسنا من الدنيا. فإذا قست علينا وجدنا فى صدورنا رحمة. وإذا خذلتنا وجدنا فى قلوبنا عزاء. وإذا تركتنا وجدنا فى وحدتنا الونس.

وإكتشفت أن الحياة ليست سؤالاً عن عدل الدنيا. بل عن صمود القلب. وليست بحثاً عن حب الآخرين. بل عن حب الأرواح. وليست محاولة للهروب من الألم. بل سعياً لفهمه وتجاوزه. وعندما ندرك ذلك. نصبح نحن الحضن. ونحن الكلمة. ونحن البداية الجديدة.

تعليقات