📁 آخر الأخبار

النضج وفن العبور فوق صغائر الحياة

 النضج وفن العبور فوق صغائر الحياة

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

ثَمّة أشياء لا يفهم الإنسان معناها فى بدايات العمر. ليس لأنها غامضة. وإنما لأن التجربة لم تمنحه بعد المفاتيح التى تفتح أبوابها. ومن بين تلك الأشياء قيمة الصمت. وقيمة التجاوز. ومعنى أن يترك الإنسان بعض المعارك خلفه دون أن يشعر بأنه خسرها. ففى مراحل العمر الأولى قد يبدو الإنتصار مرادفاً للرد. وقد تبدو القوة فى القدرة على إسكات الآخر وإثبات صحة الموقف. ثم تمضى السنوات. وتتراكم التجارب. ويكتشف الإنسان أن بعض الإنتصارات لا تستحق ثمنها. وأن بعض المعارك التى ربحها تركته أكثر إنهاكاً مما لو خسرها.

النضج ليس أن يعرف الإنسان كيف يرد. وإنما أن يعرف أى رد يستحق أن يُقال. وليس أن يمتلك دائماً حجة أقوى. وإنما أن يدرك متى تكون الحجة نفسها عبئاً لا ضرورة له. فالإنسان فى طفولته الفكرية يحاول أن يثبت وجوده من خلال صوته. أما الإنسان الذى نضجت رؤيته. فيدرك أن وجوده لا يحتاج إلى إثبات دائم. وأن الحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة لأننا رفعنا أصواتنا دفاعاً عنها. كما أنها لا تفقد قيمتها لأن أحداً لم يقتنع بها.

ومع الزمن يتغير السؤال داخل الإنسان. لم يعد يسأل نفسه فقط. كيف أقنع الآخر؟ بل يبدأ فى سؤال أكثر عمقاً. هل يستحق هذا الحوار كل هذا الإنفعال؟ وهل سيضيف شيئاً إلى فهمى للحياة؟ أم أننى أخوض معركة لا لشىء إلا لأن كبريائى لا يريد أن يتراجع خطوة؟ وهنا يبدأ الإنسان فى إكتشاف الفرق الدقيق بين الدفاع عن الكرامة. والدفاع عن الأنا.

فالكرامة لا تحتاج إلى ضجيج. أما الأنا فتحتاج دائماً إلى جمهور يشهد إنتصارها. ولهذا قد يتجادل الإنسان أحياناً لا لأنه يبحث عن الحقيقة. وإنما لأنه يريد ألا يبدو مخطئاً. وقد يواصل النقاش بعد أن يدرك عبثه. فقط لأنه لا يريد أن يمنح الطرف الآخر متعة الكلمة الأخيرة. وفى تلك اللحظة تحديداً يصبح الإنسان أسيراً لمعركة صنعها غروره أكثر مما صنعها إختلاف الرأى.

والعجيب أن الإنسان قد يقضى سنوات طويلة وهو يتعلم كيف يتكلم. ثم يحتاج إلى سنوات أخرى حتى يتعلم كيف يصمت. فالصمت ليس غياب الكلام دائماً. قد يكون حضوراً كثيفاً للعقل. وقد يكون إختياراً واعياً لعدم المشاركة فى حديث لا يليق بالقيمة التى يمنحها الإنسان لوقته. وربما كان الصمت فى بعض المواقف أبلغ من عشرات الحجج. لأن بعض العقول لا تبحث عن الحقيقة. وإنما تبحث عن إنتصار يؤكد لها أنها لم تخطئ.

وهنا تظهر واحدة من أكثر علامات النضج وضوحاً. أن يعرف الإنسان أن الآخرين ليسوا مطالبين دائماً بأن يروا العالم من نافذته. فلكل إنسان تجربته. وذاكرته. ومخاوفه. وقناعاته التى صنعتها سنوات ربما لم نعش منها يوماً واحداً. ولهذا فإن إختلاف الرؤية لا يعنى بالضرورة فساد النية. كما أن مخالفة رأينا لا تعنى أن الآخر يملك رغبة فى إزعاجنا. قد يكون الإختلاف مجرد إختلاف. وقد يكون الإنسان أكثر راحة عندما يتوقف عن تحويل كل إختلاف إلى خصومة.

ومع ذلك. ليس المقصود أن يتحول النضج إلى برود. ولا أن يصبح الصمت ستاراً يختبئ خلفه الإنسان خوفاً من المواجهة. فهناك مواقف تستحق الكلام. وهناك حقوق لا يصح أن تُترك بلا دفاع. وهناك أخطاء لا يعالجها التجاهل. لكن الحكمة تكمن فى التمييز. أن تعرف متى يكون الكلام موقفاً. ومتى يكون مجرد إنفعال. وأن تعرف متى يكون الصمت حكمة. ومتى يصبح هروباً من مسؤولية لا يجوز الهروب منها.

ولعل أصعب ما يتعلمه الإنسان أن يفرّق بين المعركة التى تمس جوهر حياته. والمعركة التى لا تمس شيئاً سوى صورته أمام الآخرين. الأولى تستحق الشجاعة. والثانية قد تستحق التجاوز. فليس كل من أساء الفهم يحتاج إلى تصحيح. وليس كل من أساء الظن يحتاج إلى تفسير. وليس كل كلمة قيلت فى حقك تحتاج إلى أن تحملها معك إلى بيتك. لأن الإنسان الذى يسمح لكل كلمة أن تسكن داخله. يمنح الآخرين سلطة أكبر مما يستحقون.

والحياة نفسها تعلّمنا أن الوقت لا يعود. وأن الأعصاب التى أُهدرت فى خصومة لا يمكن إستعادتها. وأن الساعات التى أمضيناها فى إثبات أننا على حق. كان يمكن أن نستخدمها فى قراءة كتاب. أو تأمل فكرة. أو الجلوس مع شخص نحبه. أو حتى الصمت أمام نافذة مفتوحة نتأمل من خلالها العالم وهو يمضى دون أن ينتظر أحداً.

وعند نقطة ما فى رحلة النضج. يبدأ الإنسان فى إعادة ترتيب مفهومه للإنتصار. لم يعد الإنتصار أن يهزم خصماً فى نقاش. وإنما أن يخرج من يومه وقلبه أكثر هدوءاً. لم يعد الإنتصار أن تكون كلمته الأخيرة. وإنما ألا يسمح لكلمة عابرة أن تفسد عليه يوماً كاملاً. ولم تعد القوة فى أن يستطيع الرد على كل إساءة. وإنما فى أن يمتلك القدرة على الإختيار. فيرد عندما يكون الرد ضرورة. ويصمت عندما يكون الصمت أكرم.

إن الإنسان الناضج لا يعيش بلا خلافات. ولكنه لا يسمح للخلافات بأن تسكن روحه. لا يستطيع أن يمنع الناس من إساءة الفهم. لكنه يستطيع أن يمنع سوء فهمهم من أن يتحول إلى عبء على حياته. ولا يستطيع أن يغلق أفواه الآخرين. لكنه يستطيع أن يختار الكلمات التى تدخل إلى قلبه. وتلك ربما واحدة من أعظم صور الحرية الداخلية.

وفى نهاية الطريق يكتشف الإنسان أن السلام الداخلى ليس حياة خالية من الضجيج. وإنما روح تعلّمت ألا تمنح كل ضجيج حق الدخول إليها. فالحكمة ليست فى أن تنتصر فى كل حديث. وإنما فى أن تعرف أى حديث يستحق حضورك. وليست القوة فى أن تملك الرد دائماً. وإنما فى أن تملك نفسك عندما يكون الرد أسهل من الصمت.

وربما كانت أجمل علامات النضج أن يمضى الإنسان فى حياته وقد خفّ حمله من الرغبة فى إثبات ذاته أمام الجميع. فلا يشرح نفسه لكل أحد. ولا يبرر كل خطوة. ولا يطارد كل كلمة قيلت عنه. ولا يحوّل كل إختلاف إلى معركة. يصبح أكثر تصالحاً مع نفسه. وأكثر إنتقائية فى علاقاته. وأكثر حرصاً على الوقت الذى يعرف أخيراً أنه ليس ملكاً للحياة إلى الأبد.

عندها فقط يفهم الإنسان أن بعض المعارك لا تحتاج إلى شجاعة خوضها. وإنما تحتاج إلى شجاعة تركها. وأن بعض الإنتصارات لا تكون فى أن تقول الكلمة الأخيرة. بل فى أن تغادر الحوار دون غضب. وأن تحفظ لقلبك هدوءه. ولنفسك كرامتها. ولعمرك ما تبقى منه.

فليست الحكمة أن تربح كل جدال. وإنما أن تصل إلى مرحلة لا يصبح فيها كل جدال جديراً بأن تخسره من أجل أن تربحه.

تعليقات