في قرية الحراجية التابعة لمركز قوص، بقيت سيرة الشهيد مصطفى محمد بخيت حاضرة في ذاكرة الأهالي، كونه واحدًا من أبناء القرية الذين حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الوطن خلال حرب أكتوبر المجيدة.
لم تكن قصة الرقيب مصطفى محمد بخيت مجرد سطور في سجل الشهداء، إنما حكاية إنسان عاش بين أهله، وخدم في صفوف القوات المسلحة، ثم عاد إلى قريته ليستعد لحياة جديدة، قبل أن يستدعيه الواجب الوطني مرة أخرى، فيرحل إلى الجبهة ويكتب اسمه بين شهداء الوطن.
ست سنوات في الخدمة العسكرية
وُلد مصطفى محمد بخيت في قرية الحراجية بمركز قوص، وكان الابن الأكبر لوالدته، وسندًا لأسرته.
وفي عام 1964، التحق بالخدمة العسكرية، لكن اندلاع حرب يونيو 1967 حال دون انتهاء مدة خدمته في موعدها، ليواصل أداء واجبه داخل القوات المسلحة لسنوات متواصلة.
وخلال فترة خدمته، ترقى حتى وصل إلى رتبة رقيب، وتخصص في سلاح الدبابات، واكتسب خبرة ميدانية أهّلته لتدريب الجنود على قيادة الدبابة، والمشاركة في المهام والعمليات العسكرية التي سبقت حرب أكتوبر.
وبعد فترة من الخدمة، عاد مصطفى إلى قريته ضمن ترتيبات الخداع الاستراتيجي التي كانت تقضي بتسريح عدد كبير من القوات وصل إلي 30 ألف مقاتل من الخدمة في يوليو 1973م، وبدأ يستعد لمرحلة جديدة من حياته؛ حيث أتم تجهيز عش الزوجية وكان على موعد مع الزواج، وسط فرحة أسرته وأبناء قريته.
استدعاء عاجل قبل الحرب
لم تدم فترة الاستقرار طويلًا. فمع اقتراب حرب أكتوبر 1973، جرى استدعاء الرقيب مصطفى محمد بخيت للعودة إلى وحدته العسكرية.
كان الوداع هذه المرة مختلفًا؛ فقد ترك خلفه أسرته وقرية الحراجية، واتجه للالتحاق بكتيبته دون تردد.
وتروي أسرته وأبناء قريته أنه ودّع والدته وإخوته بابتسامة ووجه بشوش، وكأنه أراد أن يخفف عنهم وطأة لحظة الفراق، دون أن يعرف أحد أن ذلك سيكون الوداع الأخير.
على رصيف محطة قوص.. موقف لا يُنسى
قبل مغادرته إلى الجبهة، تجمع مصطفى مع عدد من أبناء قريته وشباب مدينة قوص وقراها في محطة قطار قوص.
وفي ذلك الموقف، تظهر إحدى أكثر الحكايات التي ارتبطت بذكراه بين أبناء قريته.
فقد حرص مصطفى على توفير الطعام للشبان المتجمعين معه، ودعاهم إلى الإفطار، إلا أن بعضهم تمسك بالصيام في شهر رمضان.
وبروح الدعابة التي عُرف بها، حاول مصطفى تخفيف أجواء الموقف، وقال لهم في عبارة مازحة تحمل في طياتها روح الحماس:
«إننا ذاهبون لمواجهة اليهود، فلا بد أن نتغذى لهم جيدًا!»
كانت كلماته محاولة لرفع الروح المعنوية، وتحويل لحظة الوداع الثقيلة إلى لحظة من الأمل والثبات قبل التوجه إلى الجبهة.
من الحراجية إلى أرض المعركة
اتجه الرقيب مصطفى محمد بخيت إلى جبهة القتال ضمن أفراد كتيبته، وشارك في عبور قناة السويس خلال حرب أكتوبر المجيدة.
وهنا تتعدد الروايات المتداولة حول تفاصيل استشهاده.
فبحسب إحدى الروايات، استشهد في السادس من أكتوبر 1973، يوم العبور، بعدما كان ضمن العناصر التي تقدمت للعبور، وأصيبت دبابته بقصف مباشر بعد عبور أحد الجسور.
بينما تشير رواية أخرى إلى أن استشهاده وقع خلال الأيام التالية من الحرب، وتحديدًا في السابع أو التاسع من أكتوبر، أثناء المعارك الضارية في منطقة الغريب.
ومع اختلاف الروايات حول اليوم والتفاصيل الدقيقة، تظل الحقيقة الثابتة في ذاكرة أسرته وأبناء قريته أنه خرج من الحراجية لأداء واجبه الوطني، ولم يعد إليها مرة أخرى.
الشهيد الوحيد من أبناء القرية
بعد انتهاء الحرب، عاد أبناء الحراجية والشبان الذين غادروا مع مصطفى إلى قريتهم، بينما ظل هو غائبًا، بعدما قدم حياته في سبيل الوطن.
وبحسب الرواية المتداولة بين أبناء القرية، كان مصطفى الشهيد الوحيد من أبناء الحراجية خلال حرب أكتوبر، لتتحول قصته مع مرور السنوات إلى جزء من الذاكرة الشعبية، والتاريخ المحلي للقرية.
ولم يكن فقدانه سهلًا على أسرته، خاصة أنه كان الابن الأكبر، وكان يستعد للزواج ويخطط لبداية حياة جديدة قبل أن يناديه الواجب من جديد.
اسم لا يزال حاضرًا بين الأجيال
لم تتوقف قصة مصطفى محمد بخيت عند لحظة استشهاده، فقد بقي اسمه حاضرًا في قريته والمنطقة المحيطة بها.
وتقديرًا لتضحيته، أُطلق اسم الشهيد على إحدى مدارس المنطقة، وهي مدرسة الشهيد مصطفى محمد بخيت الإعدادية بنات؛ ليظل اسمه حاضرًا في المكان الذي تتعلم فيه أجيال جديدة من أبناء وطنه.
وهكذا تحولت سيرة الرقيب الشهيد مصطفى محمد بخيت من قصة فراق مؤلم إلى شاهد على جيل اختار أداء واجبه عندما ناداه الوطن.
فقد خرج من قريته مبتسمًا، وترك خلفه أمًا وأسرة وأصدقاء وذكريات، لكنه ترك أيضًا اسمًا لا يزال يتردد بين أبناء الحراجية، ليشعرهم بالعزة والكرامة، ولتبقى قصته جزءًا من ذاكرة المكان، وشاهدًا على تضحيات أبناء الصعيد في حرب أكتوبر المجيدة.
