📁 آخر الأخبار

نافي بيلاى ...من العنصريه إلى نوبل للسلام

كتبت : نشوى على 



في وقت العالم كله بيتكلم فيه عن غزة، وبتتصاعد فيه المواجهة بين إسرائيل والمؤسسات الدولية، ييجي اسم القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في قلب المشهد، بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، تقديرًا لجهودها في دعم السلام والقانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية. 

لكن خلينا نسأل السؤال الأهم: مين هي نافي بيلاي؟ وإزاي قدرت ست بدأت حياتها في مجتمع بيحكمه التمييز العنصري إنها توصل لأعلى المناصب القضائية والحقوقية الدولية، وتبقى واحدة من أبرز الأصوات في ملف الانتهاكات الإسرائيلية في غزة؟

الحكاية مش مجرد جائزة، ولا منصب دولي.. دي رحلة طويلة من المواجهة، بدأت في جنوب أفريقيا ووصلت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل على الساحة الدولية.

في 23 سبتمبر 1941، اتولدت نافي بيلاي في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، لعائلة من أصول هندية تاميلية، في وقت كان فيه نظام الفصل العنصري بيفرض قيودًا قاسية على السكان، وبيحدد حقوقهم وفرصهم على أساس العرق.

وسط الواقع ده، اختارت نافي طريق القانون وقررت إن المحاماة مش مجرد مهنة، لكنها وسيلة للدفاع عن الناس اللي اتحرموا من حقوقهم.

وفي عام 1967، حققت خطوة تاريخية، لما أصبحت أول امرأة غير بيضاء تعمل بالمحاماة في إقليم ناتال وافتتحت مكتبًا خاصًا بها في وقت كانت فيه الحواجز العنصرية بتفرض نفسها على مختلف جوانب الحياة.

لكنها ما اكتفتش بالنجاح المهني إذ انخرطت في الدفاع عن معارضي نظام الفصل العنصري وسلطت الضوء على انتهاكات تعرض لها معتقلون سياسيون، من بينها التعذيب والحبس الانفرادي.

ومن هنا بدأت ملامح مسيرتها تتشكل.. محامية اختارت الوقوف في مواجهة السلطة لما تتعارض ممارساتها مع حقوق الإنسان.

ومع انتهاء نظام الفصل العنصري، دخلت نافي بيلاي مرحلة جديدة من مسيرتها. ففي عام 1995، أصبحت أول امرأة غير بيضاء تتولى منصب قاضية بالمحكمة العليا في جنوب أفريقيا بعد انتهاء النظام العنصري، قبل أن تنضم في العام نفسه إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا.

وهناك، شاركت في مرحلة مهمة من تاريخ القانون الدولي، من خلال عملها في المحكمة التي نظرت جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة في رواندا.

ومن أبرز المحطات في تلك المرحلة قضية جان بول أكايسو، التي صدر فيها حكم تاريخي عام 1998، أقر بأن الاغتصاب والعنف الجنسي يمكن أن يشكلا أفعال إبادة جماعية إذا ارتُكبا بقصد تدمير جماعة محمية، وفقًا للتعريف القانوني للجريمة.

وبين عامي 1999 و2003، تولت بيلاي رئاسة المحكمة الجنائية الدولية لرواندا قبل أن تنتقل إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ثم تتولى منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014. 

محطات متتالية نقلتها من الدفاع عن المظلومين داخل بلدها إلى المشاركة في صياغة مسار العدالة الدولية، في قضايا تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

لكن اسم نافي بيلاي عاد بقوة إلى الواجهة الدولية بسبب غزة.

فقد تولت رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، وهي اللجنة التي أصدرت في 16 سبتمبر 2025 تقريرًا خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت أربعة من الأفعال الخمسة التي يحددها اتفاق منع جريمة الإبادة الجماعية، واعتبرت أن هناك أدلة على توافر القصد الخاص المطلوب قانونًا لإثبات الجريمة. 

التقرير استند إلى تحليل العمليات العسكرية، والآثار المترتبة عليها، وتصريحات مسؤولين إسرائيليين، وأنماط السلوك التي رصدتها اللجنة خلال الفترة التي شملها التحقيق.

في المقابل، رفضت إسرائيل هذه الاتهامات بشدة، وأثارت النتائج جدلًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا، في ظل استمرار الخلاف الدولي بشأن المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب.

وهنا لازم نفرق بين نتيجة لجنة تحقيق دولية وبين حكم قضائي نهائي صادر عن محكمة مختصة فالتقرير يمثل استنتاجات اللجنة وفق منهجيتها القانونية والتحقيقية، وليس حكمًا نهائيًا صادرًا عن محكمة في دعوى جنائية.

أهمية فوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لا تتوقف عند تاريخها الشخصي، لكنها تمتد إلى الرسالة التي يحملها تكريم شخصية كرست جانبًا كبيرًا من حياتها للدفاع عن القانون الدولي، وملاحقة الجرائم التي تستهدف المدنيين، ومواجهة التمييز.

أما الحديث عن غضب إسرائيل أو اعتبار الجائزة صفعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيحتاج إلى الاستناد إلى مواقف وتصريحات موثقة، فالجائزة في حد ذاتها لا تثبت ردود فعل بعينها، ولا تعني بالضرورة أنها مُنحت لمواجهة شخص أو دولة محددة.


لكن المؤكد أن تكريم بيلاي يعيد القضية الأساسية إلى الواجهة: هل يستطيع القانون الدولي أن يفرض قواعده على الجميع، أم أن نفوذ الدول وحساباتها السياسية سيظل عائقًا أمام تحقيق العدالة؟

حكاية نافي بيلاي في النهاية أكبر من جائزة.. إنها حكاية امرأة بدأت من مجتمع حاصر الناس بسبب هويتهم، وانتهت إلى موقع دولي تدافع منه عن حق الإنسان في الحياة والكرامة والعدالة، مهما كان الطرف المتهم أو حجم نفوذه.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات والحروب، يظل السؤال مفتوحًا: هل تتحول مبادئ القانون الدولي إلى محاسبة حقيقية، أم تظل العدالة حبيسة التقارير والقرارات؟

تعليقات