📁 آخر الأخبار

 المرأة الناضجة سر من نور

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

فى كل إمرأة حكاية لا يقرأها العمر. ولا تكشفها التجاعيد. ففى عينيها تسكن أسرار الأيام. وفى قلبها تنبض تجارب طويلة عبرت بها بين الألم والأمل. وبين الإنكسار والنهوض. وليست الأعوام وحدها هى التى تصوغ جوهر المرأة. بل تلك الرحلة الصامتة التى تخوضها روحها فى مواجهة الحياة. فتخرج منها أكثر صفاءً. وأكثر إشراقاً. وأكثر رحمة بمن حولها. فبعض النساء لا تمنحهن الأيام عمراً فقط. بل تمنحهن عمقاً لا تستطيع الملامح أن ترويه.

النضج عند المرأة ليس عداداً للسنين يترك أثره على ملامحها. وليس سجلاً للأيام يحصى أعوامها. بل هو عبور هادئ بين العواصف. وقوة داخلية تتجلى فى الصمت حين تشتد الرياح. هى المرأة التى تخرج من إنكساراتها لا مكسورة. بل أكثر وعياً بقيمتها. وتخرج من خيباتها لا أكثر قسوة. بل أكثر رحمة وإحتواءً. فالنضج ليس فى عدد التجارب التى مرت بها. وإنما فى الطريقة التى عبرت بها تلك التجارب. وما تركته داخلها من وعى وحكمة وصفاء.

المرأة الناضجة تعرف أن الجمال الحقيقى لا تسكنه المرآة وحدها. وإنما يظهر فى قدرتها على الإحتواء. وفى إبتسامة تستطيع أن تضيء قلباً أثقله الصمت. وفى صبرها على من تحب. وفى نظرة تمنح الأمان قبل أن تنطق الشفاه بكلمة. وهى تدرك أن القوة ليست فى الصخب. ولا فى القسوة. ولا فى محاولة إخضاع الآخرين لإرادتها. وإنما فى أن تسامح دون أن تُهزم. وأن تحافظ على قلبها دون أن تحوله إلى حجر. وأن ترحل فى هدوء حين تُمس كرامتها. فلا تبقى فى مكان لا يليق بقيمتها. ولا تتوسل وجوداً كان ينبغى أن يُمنح لها بمحبة وإحترام.

النضج عندها أن تختار الكلمة كما يُنتقى العطر. فلا تستخدمها لتجرح. ولا تجعلها وسيلة لإهانة أحد. بل تترك بها أثراً رقيقاً يشبه حضورها. أن تحب دون أن تهدر كرامتها. وأن تضحى دون أن تفنى نفسها. وأن تحلم دون أن تسقط فى سراب الوهم. تحمل فى داخلها قلباً طفلاً ما زال يعرف البراءة. لكن يحرسه عقل أدرك موازين الحياة. وتحمل عاطفة متدفقة. غير أن حكمتها تعرف أين تضع الحب. وأين تمنح الحنان. ومتى يكون العطاء حياة. ومتى يتحول إلى إستنزاف صامت للروح.

والمرأة الناضجة لا تبحث فى الرجل عن شخص يحمل عنها أعباء الحياة فقط. بل تبحث عن رفيق يشاركها الطريق. يفرح لفرحها. ويمنحها الصدق والأمان والدفء. ويجعلها تشعر أن الحياة ليست ساحة حرب بين طرفين. وإنما شراكة تقوم على المودة والتفاهم. وهى تعرف أن العلاقات الإنسانية لا تقوم على البحث عن كمال غير موجود. وإنما على إنسجام بين إنسانين يحمل كل منهما نقاط ضعفه وقوته. فيلتقى النقص بالنقص. وتتكامل الأرواح بما لديها من إختلاف. ليصنعا معاً لحناً إنسانياً لا يحتاج إلى الكمال حتى يكون جميلاً.

وهى المرأة التى تتصالح مع نفسها. فلا تخشى الوحدة. ولا تركض خلف رضا الجميع. ولا تقيس قيمتها بعدد الذين يصفقون لها. أو بعدد الذين يختارون البقاء إلى جوارها. لقد أدركت أن الإنسان حين يقضى عمره فى محاولة إرضاء الآخرين يفقد شيئاً من ملامحه الحقيقية فى كل مرة. لذلك تختار أن تكون هى كما هى. بلا أقنعة. وبلا حاجة إلى صناعة صورة ترضى الجميع. لأنها تعرف أن من يستحق قربها لن يحب الصورة التى صنعتها لإرضائه. وإنما سيحب حقيقتها. بما فيها من قوة وضعف. ومن صمت وكلام. ومن أحلام وندوب.

ذلك هو النضج عند المرأة. إشراقة داخلية لا يراها إلا من إقترب منها بصدق. ونور يسكن عينيها فيمنح الدفء لمن حولها. وحنان يفيض من قلبها دون أن يجعلها تفقد نفسها. ورونق لا يتراجع أمام الزمن. بل يزداد معه عمقاً وبهاءً. هى إمرأة تزداد إشراقاً كلما مرت بها العواصف. لأنها لا تسمح للأيام أن تحولها إلى نسخة قاسية من الألم الذى عاشته. بل تجعل من كل تجربة درساً. ومن كل خيبة وعياً. ومن كل إنكسار بداية جديدة. ولهذا فإن أجمل ما فى المرأة الناضجة ليس ما يراه الناس فى ملامحها. وإنما ذلك النور الذى صنعته الحياة داخلها. نور لا يحتاج إلى عمر صغير حتى يلمع. ولا إلى وجه بلا تجاعيد حتى يكون جميلاً. لأنه ببساطة جمال الروح حين تتعلم كيف تعبر الحياة دون أن تفقد إنسانيتها.

تعليقات