📁 آخر الأخبار

 إمرأة تكتب عشقها على جدران الروح

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

لا تتعجب وأنت تقرأ رسالتى. ولا تسأل نفسك كيف تجرأت إمرأة مثلى على أن تفتح أبواب قلبها بهذا القدر من الصراحة. فبعض المشاعر حين تبلغ أقصى مداها تعجز عن البقاء حبيسة الصدر. وتصبح الكلمات نافذة أخيرة تطل منها الروح على من إختارته دون سائر البشر. وأنا اليوم لا أكتب إليك لأخبرك أننى أحبك فحسب. بل أكتب لأن فى داخلى حكاية أكبر من أن يحتويها الصمت. وأعمق من أن تختصرها كلمة عابرة أو نظرة خاطفة.

نعم. أنا تلك المرأة التى إعتادت أن تبحث عنك فى تفاصيل يومها. التى ترى فى حضورك إكتمالاً لبهجة كانت تنقصها. وتجد فى صوتك شيئاً يشبه الطمأنينة التى طال إنتظارها. لم تكن الشمس تشرق فى أعماقى كما ينبغى إلا حين أراك قادماً نحوى. وكأن الضوء يعرف طريقه إلى قلبى من خطاك. ولم تكن الأيام تحتفظ بألوانها إذا غبت عنى. بل كانت الأشياء تفقد شيئاً من بريقها. وتصبح الساعات ثقيلة كأن الزمن قرر أن يعاقبنى على إشتياقى إليك.

كنت أقاوم غيابك بما تبقى لى من صبر. وأقنع نفسى بأن الأيام القليلة لا تستحق كل هذا الحنين. لكننى كنت أكتشف فى كل مرة أن للقلب حساباته الخاصة. وأن الغياب لا يقاس بعدد الساعات ولا بطول المسافات. بل بمقدار الفراغ الذى يتركه الحبيب خلفه. فهناك أشخاص يغيبون ولا يتغير فى الحياة شىء. وهناك شخص واحد إذا غاب شعرت بأن جزءاً من روحك قد رحل معه. وأنك مهما أحطت نفسك بالوجوه والأحاديث فإنك تظل تنتظر وجهه وحده.

ولأنك لم تكن رجلاً عابراً فى حياتى. فقد إختلف معك كل ما عرفته من قبل. لم أجد فى قربك مجرد عاطفة تطرق القلب ثم تمضى. بل وجدت عالماً كنت أبحث عنه دون أن أعرف ملامحه. وجدت رجلاً تستطيع أن تضع بين يديه مخاوفك دون أن تخجل من ضعفك. وأن تتحدث أمامه عن أحلامك الصغيرة دون أن تخشى سخرية أو إستخفافاً. كنت أشعر معك أننى لست مضطرة إلى إرتداء قناع القوة فى كل لحظة. وأن من حقى أن أكون إمرأة تتعب وتحن وتشتاق. وتحتاج أحياناً إلى كلمة حانية تعيد ترتيب الفوضى التى تركتها الحياة فى داخلها.

لقد أيقظت فى قلبى مشاعر ظننت أن السنوات قد أغلقت أبوابها. وأعدت إلى أنوثتى ذلك الوهج الهادئ الذى لا تصنعه المظاهر ولا تمنحه الكلمات المنمقة. بل يولد من شعور إمرأة بأنها مرغوبة فى قلب رجلها. ومقدرة فى عينيه. ومحاطة بإهتمام صادق يجعلها أكثر تصالحاً مع نفسها. لم تكن حنانك مجرد لحظة جميلة تنتهى بإنتهاء اللقاء. بل كان أثراً يمتد معى إلى وحدتى. فأستعيد نبرة صوتك وأتذكر إبتسامتك. وأجد فى الذاكرة دفئاً يكفينى حتى تجمعنا الأيام من جديد.

أنت تعرف كيف تجعلنى أرى نفسى بعين مختلفة. وكيف تمنح التفاصيل البسيطة معنى لا تمنحه الأحداث الكبيرة. فربما لا أتذكر كل ما قلته لى. لكننى لا أنسى الطريقة التى أصغيت بها إلى حديثى. ولا تلك اللحظة التى شعرت فيها بأن حزنى لم يعد عبئاً أحمله وحدى. ولا ذلك الإحساس العميق بأننى لست مضطرة إلى شرح كل ما يضطرب فى داخلى. لأن هناك من يحاول أن يفهمنى قبل أن يحكم على مشاعرى. وهنا تكمن معجزة الحب الحقيقى. أن تجد من لا يكتفى برؤية وجهك. بل يلمح ما وراءه من تعب وأحلام وأسئلة مؤجلة.

يا عاشقى. أنت لى أكثر من حبيب. أنت الصديق الذى أطمئن إلى حديثه. والرفيق الذى أجد فى صحبته معنى الطريق. وأنت الفارس الذى طالما رسمته مخيلتى فى أحلام الصبا. لا لأنك رجل لا يعرف الخطأ. بل لأننى وجدت فى قربك ما يجعلنى أصدق أن الحياة لا تزال قادرة على أن تمنح القلب فرصة جديدة. أما ذلك الحنان الذى إفتقدته فى طفولتى. فقد جعلنى قربك أكتشف كم تحتاج الروح إلى الأمان. وكم يمكن لكلمة رقيقة أن تعوض شيئاً من جفاف الأيام. دون أن تمحو الماضى أو تدعى أنها قادرة على تغيير ما حدث.

وأحياناً أسأل نفسى كيف إستطعت أن تصبح بهذا القدر من الحضور فى حياتى. كيف صرت أول من يخطر ببالى حين أفرح. وآخر من أبحث عنه فى ذاكرتى قبل أن أنام. ثم أدرك أن القلب لا يمنح مكانته العميقة لمن يمرون به مصادفة. وإنما لمن يتركون فيه أثراً لا تستطيع الأعوام أن تنتزعه. فأنت النور الذى يبدد عتمة أفكارى. والنافذة التى أطل منها على أيام أكثر رحمة. والوجه الذى أتمنى أن أراه كلما أثقلتنى الحياة بما لا أستطيع البوح به.

ومع ذلك. لا أريد لحبى أن يكون قيداً يضيق عليك. ولا أريد لإشتياقى أن يتحول إلى عبء يثقل خطاك. فأنا أحبك بما يجعلنى أتمنى سعادتك حتى فى الأيام التى لا أكون فيها بقربك. وأحلم أن يكون وجودى فى حياتك راحة لا مطالبة دائمة. وأن تجد فى حديثى سكينة لا محاكمة. وفى إهتمامى مودة لا رقابة. فالحب الذى يستحق البقاء ليس ذلك الذى يستولى على الإنسان حتى يفقد نفسه. بل الذى يمنحه مساحة أوسع ليكون على حقيقته. ويجمع بين قلبين دون أن يسلب أياً منهما حريته أو كرامته.

أريدك أن تفهم أننى لا أطلب منك معجزة. ولا أنتظر أن توقف الزمن من أجلى. كل ما أرجوه أن تظل صادقاً معى. وأن تمنح مشاعرى مكاناً آمناً فى قلبك. وأن تتذكر أن المرأة التى تبوح لك بهذا العمق لا تقدم كلماتها لمجرد الإعجاب. بل تمنحك جانباً عزيزاً من روحها. جانباً لا تفتحه لكل عابر. ولا تسمح لأحد أن يقترب منه إلا إذا شعرت أن قلبها لن يصبح موضعاً للإستهانة أو التجاهل.

فإذا سألتنى يوماً ماذا تكون لى. فلن تكفيك الأسماء التى يعرفها الناس. فأنت الحبيب الذى أستريح إليه. والصديق الذى أودع عنده أسرارى. والرفيق الذى أتمنى أن يشاركنى ما تبقى من الطريق. وأنت ذلك الحضور الذى يجعلنى أؤمن بأن أجمل ما فى العمر قد يأتى متأخراً. لكنه يأتى فى اللحظة التى نكون فيها أشد إحتياجاً إليه.

وإذا سألتنى ماذا أكون أنا بدونك. فلن أقول إننى لا شىء. فقد كنت إنسانة قبل أن أعرفك. لكننى سأقول إننى معك إكتشفت فى نفسى مساحات لم أكن أعرفها. وإننى أحببت الحياة بصورة مختلفة منذ أصبح لفرحى وجه أتذكره. ولحنينى عنوان أكتبه فى رسائلى. ولأحلامى شخص أتمنى أن يكون شاهداً على تحققها.

هذه رسالتى إليك. كتبتها لأننى لم أعد أريد أن أخفى خلف هدوئى كل هذا الإشتياق. ولأن بعض الحقائق لا تنتظر مناسبة لتقال. بل تبحث عن لحظة صدق تخرج فيها إلى النور. فإن وجدت فى كلماتی شيئاً يشبه قلبك. فإعلم أننى لم أكتب لأستدر عطفك. ولا لأضع على كتفيك مسؤولية سعادتى. بل كتبت لأنك الرجل الذى إستطاع أن يجعل للحب فى روحى معنى يستحق أن يروى.

وإذا بقيت لى أمنية واحدة أخبئها فى نهاية هذه الرسالة. فهى أن تظل الأيام رحيمة بقلوبنا. وأن تبقى بيننا تلك المودة التى تجعل اللقاء عيداً صغيراً. والحديث وطناً. والغياب إشتياقاً لا يفسد ما بنيناه من ثقة. وأن يأتى يوم أنظر فيه إلى عينيك فأدرك أن كل تلك الكلمات التى كتبتها فى غيابك لم تكن سوى محاولة متواضعة لوصف حقيقة واحدة. أن بعض الرجال لا يسكنون ذاكرة المرأة فقط. بل يتركون فى روحها أثراً يجعلها ترى العالم كله بعين أكثر دفئاً. وتؤمن أن الحب ليس أن تجد شخصاً تذوب فيه حتى تختفى. بل أن تجد إنساناً تقترب منه فتعود إلى نفسك أكثر إطمئناناً وإشراقاً.

تعليقات