📁 آخر الأخبار

المعلم في زمن التكنولوجيا: ... ناقل المعرفة إلى صانع المعنى

المعلم في زمن التكنولوجيا: ... ناقل المعرفة إلى صانع المعنى

بقلم د / ضياء السيد الصيرفي 



لم يعد السؤال في عصر التكنولوجيا: كيف يحصل المتعلم على المعرفة؟ فقد أصبح الوصول إليها أيسر من أي وقت مضى؛ بضغطة واحدة يمكن أن تنفتح أمام المتعلم أبواب مكتبات العالم، وتظهر أمامه آلاف الصفحات والمحاضرات والصور والتجارب. وأصبح السؤال الأعمق: ماذا سيفعل الإنسان بكل هذه المعرفة؟ وكيف يحولها إلى فهم، ومن فهم إلى وعي، ومن وعي إلى موقف، ومن موقف إلى حياة ذات معنى؟ ، وإذ لم يعد التحدي التربوي مقتصرًا على إتاحة المعلومات، وإنما أصبح مرتبطًا بإعادة التفكير في المعارف والمهارات والاتجاهات التي يحتاج إليها المتعلم في عالم تتغير فيه طبيعة العمل والحياة بسرعة متزايدة. 

وهنا يعود المعلم إلى المشهد، لا بوصفه حارسًا على أبواب المعرفة، ولا بوصفه المصدر الوحيد للمعلومة، وإنما بوصفه الإنسان الذي يساعد الإنسان الآخر على أن يفهم ما يتعلم ، وأن يميز بين الحقيقة والوهم، وأن يرى في المعرفة أكثر من مجرد إجابة في اختبار.

 ويتفق هذا التصور مع الاتجاهات المعاصرة في إعادة تعريف كفايات المعلم؛ فقد وضعت اليونسكو ضمن إطار كفايات الذكاء الاصطناعي للمعلمين أبعادًا تتجاوز المعرفة التقنية إلى العقلية المتمحورة حول الإنسان، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والبيداغوجيا، والتعلم المهني، بما يؤكد أن دور المعلم لا يختزل في نقل المحتوى، بل يمتد إلى توجيه استخدام التكنولوجيا بصورة أخلاقية وتربوية مسؤولة .

ولعل قول طه حسين: «التعليم كالماء والهواء» يكتسب في عصرنا معنى جديدًا؛ فالمشكلة لم تعد في ندرة المعرفة، بل في قدرتنا على توجيهها واستثمارها وإضفاء المعنى الإنساني عليها. 

فيصبح التعليم عملية تتجاوز مجرد الوصول إلى المحتوى الرقمي، لتصل بقدرة المتعلم على الانتقاء والتفسير والنقد وبناء الموقف. 

هنا تؤكد الأدبيات الدولية الحديثة أن الوفرة الرقمية لا تعني بالضرورة جودة تعليمية ؛ إذ يشير تقرير الرصد العالمي للتعليم إلى أن الأدلة القوية على القيمة المضافة للتكنولوجيا التعليمية ما تزال محدودة، وأن التكنولوجيا ينبغي أن تستخدم وفق حاجات المتعلم وشروط العدالة والاستدامة، لا باعتبارها غاية في ذاتها. 

لقد دخلت التكنولوجيا إلى الفصل الدراسي دون استئذان، ودخل معها سؤال مقلق إلى المهنة التعليمية: إذا كانت الآلة تستطيع أن تشرح، وتلخص، وتترجم، وتجيب، وتنتج النصوص والصور، فما الذي يبقى للمعلم؟ ومن ثم فإن التطور التكنولوجي يفرض على النظم التعليمية إعادة التفكير في طبيعة العمل التعليمي وفي الكفايات التي ينبغي أن يركز عليها المنهج والمعلم 

والإجابة لا تبدأ من التكنولوجيا، وإنما من فهمنا للمعلم نفسه. فالقضية ليست في قدرة الآلة على أداء بعض المهام التعليمية، وإنما في تحديد الوظائف الإنسانية والتربوية التي ينبغي أن تظل في قلب العملية التعليمية. 

وفي هذا الاتجاه، تؤكد اليونسكو أن الاستخدام التربوي للذكاء الاصطناعي ينبغي أن يستند إلى مقاربة متمحورة حول الإنسان، تحافظ على الوكالة البشرية والاستقلالية والتنوع الثقافي واللغوي، ولا تجعل التكنولوجيا بديلًا عن الإنسان في العملية التعليمية. 

فالمعلم لم يكن، في جوهر مهمته، مجرد ناقل للمعلومات. كانت مهمته الأعمق دائمًا أن يفتح نافذة في عقل المتعلم، وأن يوقظ فيه سؤالًا لم يكن يعرف أنه يستطيع طرحه، وأن يمنحه الثقة في أن المعرفة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. ويجد هذا التصور دعمًا في البحوث المعاصرة حول جودة التدريس؛ فالعلاقة الإيجابية بين المعلم والمتعلم، والدعم الاجتماعي والانفعالي، وبناء بيئة صفية قائمة على الاحترام والثقة، ترتبط بدافعية المتعلم ومشاركته ونجاحه الأكاديمي والاجتماعي 

ومن هنا تبدو التكنولوجيا، بشكل معضل، فرصة للمعلم أكثر من كونها تهديدًا له فالتقنيات القائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تدعم المعلم في إعداد الموارد، وتحليل البيانات، وبعض المهام الإدارية والتعليمية، غير أن هذا الاستخدام ينبغي أن يظل محكومًا بالتصميم التربوي وبالقرار المهني للمعلم، لا أن يتحول إلى إحلال آلي محل الفعل التربوي الإنساني. 

فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يخبره بالإجابة، بل إلى من يساعده على اكتشاف السؤال. ولا يحتاج الطالب فقط إلى من يصحح خطأه، بل إلى من يعلمه كيف يتعلم من الخطأ. ولا يحتاج الإنسان إلى مزيد من المعلومات بقدر حاجته إلى عقل يستطيع أن يختار منها، وضمير يستطيع أن يوجه استخدامها، وقيم تمنحها غايتها. ولذلك الابحاث الحديثة حول التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي إلى التأكيد على أهمية التفكير النقدي، والوكالة البشرية، والمهارات الاجتماعية والانفعالية، والقدرة على اتخاذ القرار المسؤول إلى جانب المعرفة التقنية .


المعلم الذي نحتاجه غدًا ليس بالضرورة ذلك الذي يحفظ أكبر قدر من المعلومات، وإنما ذلك الذي يستطيع أن يعلّم أبناءه كيف يعيشون في عالم تتغير فيه المعلومات أسرع مما تتغير المناهج؛ عالم تتجاور فيه الحقيقة مع التضليل، والمعرفة مع الضجيج، والذكاء الاصطناعي مع الذكاء الإنساني. ومن ثم يصبح دور المعلم أكثر ارتباطًا بتكوين القدرة على التحقق والنقد والحوار واتخاذ القرار، وليس بمجرد استرجاع المعلومات. وتدعو الاتجاهات الحديثة في تطوير المناهج إلى إعادة النظر في ترتيب الأولويات المعرفية والمهارية في ضوء التحولات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في العمل والحياة، مع الحفاظ على المهارات والاتجاهات التي تظل ضرورية للإنسان 

وهكذا، فإن مستقبل التعليم لن يُحسم في المنافسة بين الإنسان والآلة، وإنما في قدرتنا على بناء علاقة جديدة بينهما؛ علاقة تجعل التكنولوجيا وسيلة، وتجعل الإنسان غاية، وتجعل المعلم الجسر بين الاثنين. وهذا التصور يتوافق مع الاتجاه الإنساني الذي تتبناه اليونسكو في التعامل مع الذكاء الاصطناعي في التعليم، حيث تؤكد ضرورة حماية الوكالة البشرية والحقوق والعدالة والتنوع، واستخدام التكنولوجيا بما يجعلها أداة لتمكين المعلمين والمتعلمين لا بديلًا عنهم

تعليقات